بدأت القضية الفلسطينية بوعد مشؤوم وتحولت إلى حرب طويلة، وهاهي تسير في مسار المصافحة والسلام ولكن وبحسب ما تقوله الأحداث فلن يكون هناك نهاية لهذا المطاف فلقد تعلمنا ومنذ سنوات طويلة كيف أن سراب هذه القضية أكبر من حقيقتها.
أتعجب كثيرا لتلك السلسلة من التحليلات للكيفية التي سارت بها «انابولس» ومؤتمرها. القضية الفلسطينية ليست بهذه البساطة فهي سلسلة من القضايا المعقدة التي يصعب على رأس واحد أن يستوعبها فهي تحتاج إلى عقول كثيرة لفك بعض رموزها وليس أمامها لكي تنتهي سوى حل جذري ينهي كل تعقيداتها بالقوة السياسية وهذا مستحيل، مع أن محاولة العرب العسكرية كانت متاحة أيام عبدالناصر فقد جرب العرب إبان حروب مع إسرائيل القوة العسكرية وفشلوا في تحقيق السلام.
الطريق الثاني وهو الطريق المفروض بفعل المنطق والعقل ويتمثل في ضرورة الصبر أمام طريق طويل من المفاوضات وفتح باب السلام بصدق ودون حسابات أميركية أو إسرائيليه أو عربية تحدث خلف الأبواب السياسية فالأبواب الخلفية هي من أهلكنا والعمل على فتحها هي من يعيدنا إلى الخلف.
مراهنة العرب الوحيدة في عمليات السلام هذه تقول إن نتائج هذه العمليات يستحيل أن تحدث قريبا لذلك فلن يتمكن احد من شعوب وسياسي العرب الحاليين العيش إلى أن تصبح هناك نهاية جميلة لهذا السباق السياسي الكبير الذي تتصارعه الأيديولوجيات. الإسلاميون يبشرون بنهاية عسكرية للقضية وحرب بين طرفين احدهما العرب، بينما يبشر السياسيون بنهاية سلمية للقضية.
الذي نطمح به ونؤمل حصوله في حل هذه القضية أن يتوقف نزف الدماء والاقتصاد والتنمية العربية وان يتوقف شراء الأسلحة وتجييش الشعوب. نحن في هذا الزمن جزء من طريق الوصول إلى الحل ولكن المؤكد أننا لسنا النهاية الحتمية التي سوف تنتهي بها القضية الفلسطينية كما نتوقع لذلك علينا أن نترك للتاريخ شيئا يحسن من سمعتنا ولا يسئ إليها.
أعجبني كثيرا تصريح الرئيس محمود عباس وهو يقول لقد وضعنا القطار على الطريق وأتمنى أن لا يكون كقطار مدريد أو أوسلو أو خارطة الطريق لا يلبث طويلا حتى يخرج عن مساره فكل مرة يخرج فيها القطار عن مساره نعيد إصلاحه ولكن بخسارة أكبر من سابقتها.
لقد كانت انابولس ومؤتمرها جلسة جميلة تولت فيها وزيرة الخارجية الأميركية قراءة فنجان العرب بطريقة غربية لقراءة الفنجان، فهذه الوزيرة أرادت أن تجرب شيئا مختلفا من الأفكار والآراء نحو إيجاد حلول ممتعة لهذه القضية. هذه الوزيرة حاولت أن تقرأ الفنجان والكف لهذه القضية وروادها ولكن على طريقه سكان «تكساس» وليس على طريق عرب الشرق الأوسط.
نحن العرب عندما يقرأ لنا احد الفنجان تكون توقعاتنا مختلفة فنحن نحلم بالثراء لأننا فقراء ونطمح بالمناصب السياسية لأن السياسة عندنا مهمة شخص أو مجموعة أشخاص، نطمح بالعيش في جنة الدنيا لكي نعلم أبناءنا في مدارس أوروبا وأميركا ونسافر في كل صيف إلى أجمل مصايف الدنيا ونملك قصورا على انهار فرنسا وسويسرا.
قراءة الفنجان في أميركا لم تكن بهذه الطريقة التي اعتدنا عليها ولكن الوزيرة البارعة تولت قراءته بطريقتها وعلى مزاجها المعروف، لقد التفتت «كوندوليزا رايس» إلى كل العرب الذين حضروا هذا اللقاء لتقرأ لهم الفنجان، فقالت لهم أمامكم طريق سريع لا تسير فيه سوى السيارات ولكنكم أيها الاخوة العرب لا تملكون تلك السيارات.
ولم تصنعوها فهي ليست كالسيارات التي نصنعها لكم فتقنيتها الفكرية والسياسية أكبر من إدراككم لذا فعليكم المشي على جانب الطريق مستخدمين أقدامكم، ولكن من يرد منكم الركوب فليقم بعملية استيقاف لاحدى تلك السيارات على طريقتنا بأن يرفع إبهامه عاليا ويحاول الركوب دون استصدار الأصوات وعبارات النجدة.
التفتت قارئة الفنجان إلى أصحاب القضية أنفسهم تقرأ لهم الفنجان فصاحت بأعلى صوت وقالت لهم ستفوزون بورقة يانصيب تملكون بها ما تريدون ولكن هناك مشكلة كبيرة أمامكم، ورقة اليانصيب التي اشتراها أحدكم أمامها مشكلة كبيرة أيضاً فكما تعلمون فقد توفي من اشتراها وهي لا تصلح لغيره وعليكم التفكير في طريقة مناسبة لنقل ملكية هذه الورقة إلى من تتفقون عليه.
عادت قارئة الفنجان إلى أصحاب القضية تذكرهم بأنهم مختلفون منقسمون كما يقول الفنجان، بعضهم أصبح متدينا وبعضهم أصبح ليبراليا وبعضهم لا يعلم حتى هذه اللحظة ولا يصدق بذهاب الاشتراكية ويستدل على ذلك بكوبا ويعتقد أن فنزويلا مثال مهم وأساسي للصمود ضد المستعمر.
التفتت قارئة الفنجان إلى الوفد الإسرائيلي وقالت لهم ليس أمامكم أحد في هذا الفنجان طرقكم معبده لديكم قبة كقبة البيت الأبيض يخرج منها أناس يحملون أعلامكم ويصفقون لكم ويأخذون من قمح أميركا ويعطونكم، في فنجانكم فراش وثير تكثرون النوم عليه ويحرسكم أبناء ليسوا أبناءكم ولكنكم آمنون مطمئنون لا خوف عليكم ولا تحزنون.
أخيرا جاء دور الرئيس الأميركي ورفعت «رايس» فنجان قهوته البرازيلية والتفتت إليه وقالت طريقك يا سيدي مر به العشرات فمنذ خمسين عاما وكل من سبقوك يقفون قبل أن ينتهي بهم الطريق ببضعة أمتار أو كيلومترات من الزمن وقبل أن يخرجوا من بوابة البيت الأبيض ليقيموا حفلة يجمعون بها الضعفاء مع الأقوياء.
يا سيدي الرئيس المصافحة في فنجانك لها شأن عظيم ولكنك لن تضيف إلى تلك المصافحات التي حدثت في الماضي جديدا فلن يتصافح كل الأعداء على وليمتك وسينتهي بك الطريق دون أن ترى مصافحة الفرقاء.
كل ما سوف تحصل عليه أيها الرئيس نظرات تودعك فلقد كنت صديقا للكثيرين منهم فالعرب هم الوحيدون في العالم الذين لا تتغير ملامحهم فكل رؤساء الغرب يعرفهم شخص واحد من العرب فهو الوحيد الذي تعاقبت عليه أجيال العالم دون أن يتغير، وهكذا انتهت هذه القراءة لعرافة العالم وانتهى المؤتمر وعاد الجميع إلى غرف نومهم هانئين حالمين بقارئة جيدة بعد سنة من الآن.
الكل يفكر فيما قالته له تلك العرافة البارعة في قراءة الكفوف وأكواب القهوة ولكن كما أسلفت على الطريقة الأميركية فقط، رجع العرب إلى أرضهم وهم يفكرون بما حدث لهم في «انابولس» من قارئة الفنجان، عاد العرب إلى لعبتهم السياسية وصاروا يفكرون في صحفهم ومجالسهم ويتذكرون أن هذا الذي حدث لهم هو جزء من نظرية المؤامرة التي اعتادوا على وضعها أمامهم في كل طاولة يذهبون إليها.
العرب اخوة فيما بينهم على صفحات جرائدهم العرب متحدون ولكن على المائدة العرب أصحاب القضية الفلسطينية ولكن لا احد منهم يعرف أين تكمن القضية. مللنا كل قضية اسمها فلسطين ليس لأننا لا نرغب في استعادة فلسطين ولكن لأننا لم نعد نعرف هل نحن نساهم في استعادة فلسطين أم هناك غير ذلك. الأزمات لدينا كثيرة والإحباط في عقولنا أكبر من كل محاولات إنعاشه فهل خلقنا ليقتل أبناؤنا..؟
مرة باسم ديننا (الإرهاب) ومرة باسم قضيتنا (فلسطين) ومرة باسم قوميتنا (العراق) ولا نعلم تحت أي منظومة سوف نقتل مستقبلاً؟، لقد كان حلما مزعجا استيقظ بعده ذلك المزارع الفلسطيني المسكين على صوت الرصاص وهو يقول هل انتهت انابولس أم بدأت مجرد سؤال؟
كاتب سعودي