اليوم تبدأ القمة الثامنة والعشرون لمجلس التعاون لدول الخليج العربية أعمالها. ولا يختلف عاقلان في أننا أمام أنجح تجربة في التكتلات الإقليمية التي شهد العالم العربي قيامها، سواء من حيث مردودها على المواطنين أو قدرتها على الديمومة.

لكنهما لن يختلفا أيضا - إذا ما نظرا إلى هذا التكتل الإقليمي بمعنى ما حققه كوسيط بين كل دولة وطنية عضو والنظام الاقتصادي العالمي أو العولمة بمختلف جوانبها الاقتصادية والسياسية والثقافية والأمنية وغيرها - على أن هذه التجربة ستحتاج إلى أن تقطع شوطا بعيدا قبل أن تصل إلى مستوى ما حققته التكتلات الإقليمية في مختلف قارات ومناطق العالم كالاتحاد الأوروبي واتفاقية التجارة الحرة لدول أميركا الشمالية «النافتا» واتفاقية التجارة الحرة لدول جنوب شرق آسيا «آسيان» والسوق المشتركة لدول أميركا اللاتينية الجنوبية «ميركوسور».

لقد استطاعت النزعة الأميركية الطاغية على العولمة أن تخترق مجلس التعاون لتنسج علاقات متعددة الجوانب مع كل دولة خليجية على انفراد. وبهذا المعنى نجحت الولايات المتحدة في إقامة نظام مواز للتجارة الحرة في إطار منظمة التجارة العالمية بإبرام اتفاقيات مناطق التجارة الحرة الثنائية.

وطبيعي أن الدول الأكبر أو الاقتصاديات الأكبر في الخليج كالمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة شعرت قبل غيرها بوطأة العولمة ذات القطب الواحد على بلدانها. ففي الخيار بين صيغة «التعاون» الذي تفترضه الاتفاقيات الأميركية الخليجية الاستفرادية وصيغة «الشراكة من أجل التنمية» التي تفترضها اتفاقية التجارة الحرة بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي المنوي إبرامها بعد طول انتظار.

يقع الخيار بين نمطين من التطور الاقتصادي الاجتماعي - الخدماتي الاستهلاكي الأعرج أو الإنتاجي الاستهلاكي المتزن. بودي كمواطن خليجي لو أن القمة ركزت على تعزيز الاتجاه الثاني الذي تندرج في إطاره أيضا العلاقات الآخذة في التطور في السنوات الأخيرة مع التكتلات الإقليمية الأخرى كميركوسور ودول ريادية أو ذات ثقل في الاقتصاد العالمي كروسيا والصين والهند والبرازيل وفنزويلا وغيرها.

ولعل الزيارات المتبادلة والحركة السياسية الناشطة بين عدد من هذه البلدان والسعودية بشكل خاص تعرب عن مخاض جديد نحو علاقات دولية ديمقراطية قائمة على توازن المصالح بدلا من التبعية. غير أن هذا الاتجاه الذي بدأ يشق طريقه لم يأخذ بعد طابع السياسة الدولية الرسمية الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي. وبودي كمواطن خليجي لو أن القمة 28 وضعت الأساس، على الأقل، لمثل هذه السياسة.

وكمواطن خليجي بودي لو أن القمة تتوصل إلى أنه من الصعب تحقيق مكاسب ديمقراطية في العلاقات الدولية ما لم يشكل ذلك انعكاسا لتحولات ديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في داخل المجتمعات الخليجية ذاتها على اعتبار أن السياسة الخارجية انعكاس للسياسة الداخلية. وأن تتخذ قرارها بتعميم النهج الديمقراطي الداخلي معتمدة التجربة البحرينية كنموذج مع كل ما يتطلبه من تطوير نحو الأفضل.

الأهم من أن يكسب مجلس التعاون رضا العالم، هو أن يكسب رضا الشعوب في الداخل والاستماع لصوتها. وبهذا الصدد كان بودي كمواطن خليجي لو أن القمة سمحت لمنظمات المجتمع المدني الخليجية بأن تعقد مؤتمرا موازيا لكي توصل إلى قادة القمة رأيها حول القضايا التي تهم الشعوب كما تهم القادة السياسيين. ألن يجعل ذلك من الدبلوماسية الشعبية رديفا للدبلوماسية الرسمية في السعي المشترك لصنع الوحدة الخليجية؟

بودي كمواطن خليجي لو أن القمة ستراعي أنه لكي يستطيع مجلس التعاون الذي يزود العالم بـ 2,22% من حاجته من مصادر الطاقة أن يقف على بعد متساو من قوى العالم المختلفة وتوازن مصالحها، فإن دول الخليج يجب أن «تتمرن» في داخل بلدانها في الحفاظ على توازنات مصالح فئات المجتمع المختلفة في اقتسام العائد من بيع مصادر الطاقة تلك، ووقوفها - الدولة - على بعد متساو من كل من هذه الفئات لتحقق العدالة الاجتماعية فيما بينها.

الإجراءات الحالية المتعلقة بإعادة اقتسام الثروة لا تزال تكرس التفاوت بين بلد خليجي وآخر، وبين الفئات الاجتماعية المختلفة على صعيد كل بلد. فوسط بحر فوائض عوائد النفط تصاعدت أجور العاملين في قطاع الدولة في الإمارات إلى أكثر من الضعف خلال السنتين الأخيرتين.

بينما شكلت أقل من 15% في المئة بالنسبة لقسم من المواطنين في البحرين. ولا يصعب ملاحظة أن استمرار إضعاف التجانس الاجتماعي على مستوى المجلس وكل دولة فيه يباعد من إمكانيات الوحدة الخليجية بدلا من أن يعززها.

بودي كمواطن خليجي لو أن القمة ركزت على المشاريع الاقتصادية والاجتماعية التي تعزز التكامل على طريق الوحدة، بدلا من التنافس، وجعل بلدان المنطقة رقعة جغرافية مفتوحة أمام المواطنة الخليجية بكل المعاني، وأن يتجسد قرار إطلاق السوق الخليجية المشتركة بخطوات على الأرض بعد القمة مباشرة. وبودي لو أخذت القمة بالتجربة العمانية في حماية البيئة نموذجا للتعميم والتطوير.

بودي كمواطن خليجي لو أن القمة وقفت جديا أمام علاقتنا بالدولار الأميركي وتبنت الموقف الأفضل الذي اتخذته دولة الكويت بفك الارتباط به. لقد فقد الدولار 40% من قيمته منذ عام 2004، و10% خلال العام الحالي 2007 فقط. وبعد التحذيرات التي أطلقها قبل أيام مؤسس منتدى دافوس الاقتصادي العالمي كلاوس شواب ورئيس مجلس إدارة صندوق النقد العربي جاسم المناعي وعدد من المؤسسات والشخصيات الاقتصادية المعتبرة من مغبة الارتباط بالدولار هل ستتخطى القمة الحاجز السياسي لتتخذ قرارها الاقتصادي بهذا الشأن ؟

وهل ستخطو باتجاه دول منتجة للنفط كفنزويلا وإيران وروسيا باستبعاد الدولار المتآكل من مبادلات النفط ؟

بودي كمواطن خليجي أن يكون حضور الرئيس الإيراني أحمدي نجاد ضيفا على القمة ليس مناسبة لمناقشة المشكلة النووية الإيرانية كما تدعو إلى ذلك بعض «مراكز التفكير» الخليجية، فالأجدى هو البحث الجدي في التعاون مع إيران في مختلف الجوانب الاقتصادية والتقنية والفنية، بما في ذلك الاستخدامات السلمية للطاقة النووية والحفاظ على العيش المشترك لمنطقة الخليج بعيدا عن التدخلات الأجنبية.

بودي كمواطن خليجي لو أن القمة أعادت تأكيد تمسكها بالمبادرة السعودية التي أقرتها قمة بيروت بشأن السلام في الشرق الأوسط وحل المسألة الفلسطينية على أسس عادلة ودائمة في مواجهة محاولات التفافية كمؤتمر انابوليس. بودي كمواطن خليجي أن لا تعيد كل قمة قرارات سابقة، وأن ترتفع بنا نحو مواقع أكثر تقدما في عالم مليء بالتحديات.

كاتب بحريني

moc.liamg@imiaonja