يبدو أننا فشلنا فشلاً ذريعاً في تجسير الهوة بين اليافعين والكبار في مجتمعاتنا العربية. هذا هو الانطباع الذي خرجنا به بعد ثلاثة أيام من الحوار بين اليافعين والإعلاميين في المنتدى الإعلامي الإنساني العربي الثالث الذي عقد الأسبوع الماضي في دبي بتنظيم مشترك من مكتب اليونيسيف الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجريدة «البيان» ونادي دبي للصحافة تحت عنوان (اليافعون وتمثيلهم في الإعلام).

اليافعون هم الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و19 سنة حسب تعريف منظمة الصحة العالمية، أما الكبار فهم نحن الذين نتحكم في كل شؤون الحياة التي نسيّرها وفق أهوائنا ومصالحنا، ونديرها بعقلياتنا القديمة المتحجرة من وجهة نظر اليافعين.

تجربة تستحق المعايشة تلك التي جمعت تحت سقف واحد عدداً من اليافعين أتوا من عدة دول عربية ومجموعة من العاملين في حقول إعلامية مختلفة من مؤسسات إقليمية وقطرية فاعلة، وتجمعات مهنية إعلامية، وصحافيين كبار بالمنطقة.

ومنخرطين في مبادرات مع الإعلام، وجهات أخرى ذات علاقة بموضوع المنتدى تم اختيارها وفق معايير محددة أخذت بعين الاعتبار التوازن بين الجنسين، والاهتمام بقضايا التنمية البشرية، والمعايير المهنية العالمية، والتواصل والرؤية الإقليمية.

اليافعون لم يجدوا صعوبة في التعبير عن رأيهم في مجتمع الكبار ووسائل الإعلام على وجه الخصوص، عارضين وجهة نظرهم عبر مشاهد تمثيلية قصيرة جسدوا خلالها صورة المسؤول الإعلامي الذي يرفع شعارات الحرية والديمقراطية والجرأة والشفافية ثم لا يطبقها على أرض الواقع.

كما ارتفعت أصواتهم متهمة الإعلاميين بالخوف والسلبية وتغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة، وتُهمٍ كثيرة تصب في المسار نفسه. أما الإعلاميون فقد وجدوا أنفسهم في موقع الدفاع عن النفس فتعللوا بالظروف أمام جيل رافض لكل تعليل إزاء ما يراه ويعيشه ويعاني منه ويتمنى تغييره.

ربما لا يختلف المشهد كثيراً عن مشاهد الصراع المألوفة بين الأجيال المتعاقبة على مدى تاريخ البشرية، حيث يوجه كل جيل أصابع الاتهام إلى الجيل الذي سبقه، لكن جديد يافعي القرن الحادي والعشرين العرب هو طريقة تعبيرهم عن هذا الاتهام، وهي طريقة تتسم بالكثير من الجرأة والمباشرة والخوض في التفاصيل الدقيقة بعد التخلي عن العموميات التي تقبل أكثر من احتمال.

من يتأمل حجم الحماس الذي يتحدث به هؤلاء اليافعون والرغبة في التغيير التي تعتمل في صدورهم يشعر بالكثير من التفاؤل الذي يتمنى أن لا يتحطم على صخرة الواقع كما تحطمت آمال كثيرة لأجيال سبقتهم.

في وقت كانت الظروف فيه أكثر ملاءمة لتحقيق تلك الآمال التي تحولت إلى أحلام، وكادت تدخل منطقة الأوهام لولا بقية من شعاع ينثره هؤلاء اليافعون لينير البقع المظلمة داخل القلوب التي كاد يحطمها اليأس من حال الأمة الذي يتردى جيلاً بعد جيل، ويتفتت تحت مطارق النكبات والنكسات والخيبات الكبيرة والانكسارات.

كان إشراك اليافعين في مجموعات العمل الخمس التي شكلها المنتدى تجربة ناجحة أخرى، ظهر خلالها فكر هؤلاء اليافعين المختلف. وكان واضحاً بشكل لافت في التوصيات التي خرجت بها مجموعة المعايير الأخلاقية للإبلاغ عن الشباب، ومجموعة وسائل الإعلام الجديدة الإلكترونية، وفي إعلان المنتدى الذي طالبوا من خلاله بفرص أكبر للتعبير والتحدث عن مخاوفهم ومبادراتهم ومساهماتهم لتحقيق غد أكثر ازدهاراً للأجيال الأصغر.

ووجه اليافعون نداءاً جماعياً للقنوات الفضائية العربية يطالبونها فيه بتطوير قاعدة دائمة لبث وتوزيع المواد والبرامج الوثائقية التي ينتجونها في أوقات مختلفة بعد أن قدموا في المؤتمر عرضاً لبعض مبادراتهم، أثبتوا من خلاله أن إنتاجهم أكثر جودة وأبلغ تأثيراً من كثير من إنتاج المحترفين الذين يحجبون عنهم الفرص.

واقترح اليافعون مراجعة المناهج المعتمدة حالياً في كليات الإعلام، وتأسيس اتفاقيات تعاون بين الصحافيين والأكاديميين لتسهيل رصد المهنيين الإعلاميين للمجالات المتعلقة بالمعايير الأخلاقية والمبادئ الأساسية للاتفاقية الدولية لحقوق الطفل.

وكان اهتمام اليافعين الذين حضروا المنتدى بالمهمَّشين ممن هم في مثل سنهم غير عادي، حيث عبروا عن ضرورة الوصول إليهم، مؤكدين أن لديهم قدرات كامنة، وأن الظروف التي يعيشون فيها تعكس لنا صورة غير واقعية عن قدراتهم.

وفي بادرة تنم عن عدم ثقة اليافعين في قرارات الكبار - ربما عن تجربة مريرة - أوصوا بإنشاء لجنة دائمة لمتابعة (التطورات) و (التراجعات) في تنفيذ هذه التوصيات، ومراقبتها ورفع تقارير عنها لضمان تطبيق الأفكار التي طرحها المنتدى.

في مايو عام 2002 اجتمع زعماء العالم وقادته وممثلون عن الحكومات والمجتمع المدني وأكثر من 600 يافع وشاب من الجنسين في مقر الأمم المتحدة بنيويورك لتمهيد الطريق أمام جعل العالم مكاناً أفضل للأطفال. وقد مثلت تلك الدورة الخاصة للجمعية العامة للأمم المتحدة حدثاً تاريخياً بارزاً، وأدت المحادثات التي دارت طوال أيام انعقادها والأفكار التي تم تبادلها فيها إلى إقرار وثيقة توجيهية سُمِّيت (وثيقة عالم جدير بالأطفال).

وقد رسخت الوثيقة مجالات رئيسية أربعة هي: تعزيز الحياة السليمة صحياً للأطفال، وتوفير التعليم جيد النوعية، وحماية الأطفال من الإساءة والاستغلال والعنف، ومكافحة فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب «الإيدز». ورسمت أهدافاً محددة للأطفال واليافعين والشباب، وحددت إطاراً أساسياً لتحقيق هذه الأهداف.

واليوم، بعد خمس سنوات من تلك الوثيقة، تُرى ما الذي تحقق من أهدافها وما الذي تراجع؟ وهل استطعنا أن نقيم عالماً جديراً بالأطفال مثلما تمنوا في بيانهم الذي ألقوه في الجلسة الافتتاحية لتلك الدورة لأن العالم الجدير بنا هو عالم جدير بكل شخص كما قالوا؟ يداً بيد نصنع التغيير هكذا ردد اليافعون وهم يمدون أيديهم لنا في ختام المنتدى، فهل تُراهم كانوا واثقين أكثر مما يجب في قوة أيدينا أم أنهم واهمون؟

في المنتدى الإعلامي الإنساني العربي الثالث شعرنا نحن الكبار أننا عدنا يافعين نتدفق حماساً، وأشعرنا اليافعون الذين حضروا المنتدى أنهم كبار بحماسهم وتدفق أفكارهم. إن أحسنّا الإصغاء فبإمكان الأطفال أن يعلمونا الكثير من الأشياء كانت هذه واحدة من الرسائل التي وجهها المشاركون في المنتدى، فهل نحن مصغون كي نتعلم ولو مرة واحدة ممن هم أقل منا تلوثاً وأكثر براءة؟

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com