إلى متى تبقى الشعوب العربية خارج مجرى التاريخ؟ عنَّ لي هذا السؤال وأنا أطالع مقالة في صحيفة «هيرالد تربيون» الأميركية عن مخططات القوى الغربية بشأن مآل العالم العربي بعد نهاية الحرب العالمية الأولى على أنقاض الامبراطورية التركية العثمانية المهزومة.

يقول كاتب المقال إن العالم قد نسى ما أطلق عليه «لجنة كنج ـ كرين» التي اقترح تشكيلها الرئيس الأميركي وودرو ويلسون في عام 1919 على مؤتمر باريس للسلام الذي عقد في أعقاب الحرب، وهنري كنج وشارلس كرين أميركيان. وكانت المهمة التي كلفت بها اللجنة هي تلمس توجه الرأي العام في «سوريا الكبرى» لتحديد مصيرها وفقاً لهذا التوجه بعد أن تحررت من الحكم العثماني.

وتظاهرت كل من بريطانيا وفرنسا بالالتزام بنتائج مهمة اللجنة بينما كانتا قد قررتا بالفعل في اتفاق سري تقسيم المنطقة بينهما. وقامت اللجنة بجولة مطولة في منطقة سوريا الكبرى التي كانت تشمل بالإضافة إلى سوريا كلاً من لبنان والأردن وفلسطين وقررت عند نهاية المطاف بأن سوريا الكبرى يجب أن تعامل كدولة موحدة.

لكن في هذه الأثناء كانت بريطانيا قد أصدرت «إعلان بلفور» الذي انطوى على وعد بإعطاء اليهود وطناً قومياً في فلسطين. لذا كان اعتراض الحركة الصهيونية العالمية متصلباً ضد توجه لجنة كنج ـ كرين، واللجنة نفسها تلاشت في متاهات التاريخ بعد أن توفي الرئيس ويلسون صاحب المشروع، لتفسح المجال لمخطط التقسيم البريطاني الفرنسي.

الذي كان من ضمن نتائجه اللاحقة كما نعلم، قيام الدولة الإسرائيلية في عام 1948 على جزء من أرض فلسطين، والسؤال الذي يطرح هو: أين كانت الشعوب العربية بينما كانت قوى دولية أجنبية تتحكم في أراضيها ومصائرها؟

بالطبع شاركت زعامات عربية في تنفيذ المخططات الأجنبية نظير مكاسب ذاتية سلطوية. وبينما لا تزال القوى الغربية تمارس هذا التحكم حتى يومنا هذا فإن السؤال يطرح بصيغة الماضي والحاضر معاً.

أجل.. لقد اندلعت ثورات شعبية على حقب متباعدة في مصر ومنطقة الشام وفلسطين لكن كان ينقصها التنظيم الصارم والنفس الطويل وقوة الإرادة. كما أنها لم تكن تخلو من خيانات وتواطؤات مضادة خاصة على مستوى الزعامات، لهذا فإنه ليس مثار دهشة أن مخطط التقسيم البريطاني الفرنسي الذي جرى تطبيقه منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى لا يزال ساري المفعول جنباً إلى جنب مع نتيجة وعد بلفور مع تواصل غياب الشعوب العربية عن المشهد المتغير.

في عام 1947 رفضت دول الجامعة العربية قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دولتين فلسطينية ويهودية. كان رفضاً احتفالياً فارغ المضمون، فضحه تقاعس الحكومات العربية عن منازلة العصابات اليهودية إلى أن أعلن قيام دولة إسرائيل في السنة التالية.

وبعد ذلك احتاج الفلسطينيون إلى عشر سنوات ليشكلوا أول تنظيم كفاحي عندما أنشئ فصيل «فتح» في عام 1958 وإلى 16 عاماً لإنشاء التنظيم المظلي «منظمة التحرير الفلسطينية». ومنذ الوهلة الأولى ولد كل من التنظيمين عاجزا، فقد قاما خارج الأرض المحتلة عوضاً عن ثورة مسلحة في الداخل.

وبعد، أليس عجيباً أن تبقى الشعوب العربية جيلاً بعد جيل خارج مجرى أحداث مصيرية تتوالى على مدى أكثر من 90 عاماً منذ نهاية الحرب العالمية الأولى؟