القمة الثامنة والعشرون لدول مجلس التعاون الخليجي، التي تبدأ اليوم أعمالها في الدوحة؛ هي بكل المقاييس، قمة فريدة في تاريخ المجلس والمنطقة. توقيتها غير مسبوق، أجندتها مثقلة بالبنود الوازنة، كماً ونوعاً، ومطلوب منها بالتالي قرارات على قدر وقياسات التحديات المطروحة؛ على الأصعدة الخليجية والإقليمية والعربية.
ولا مرة في ما مضى كانت الملفات أمام مجلس التعاون، بهذه الكثافة والسخونة؛ ولا بهذا الإلحاح، كلها صارت ضاغطة. مساحة التأجيل ضاقت، خاصة بالنسبة لمشكلات المحيط الملتهبة، أو المرشحة للالتهاب. وحتى القضايا الخليجية منها ما عادت قابلةـ كما كانت ـ للترحيل.
البت عنوان المرحلة. جدول الأعمال الخليجي حاشد. مواضيعه الهامة تتراوح بين العملة الخليجية الموحدة وبين الوحدة الجمركية، مروراً بالجزر الإماراتية المحتلة والارتباط النقدي بالدولار. فضلاً عن الملفات الأمنية والعسكرية وعن التوصيات المرفوعة من المجلس الوزاري لمجلسي التعاون واللجان الوزارية المختصة.
وحدة المصالح الحيوية، وفي هذه الظروف بالذات، تقتضي وحدة المقاربة، بما يجعل من الميسور اعتماد الحلول والمخارج والمعالجات القابلة لوضعها موضع التنفيذ. وغني عن القول: إن مثل ذلك من شأنه تسهيل وضع الآليات الفعالة اللازمة، التي طالما كانت الحلقة الرخوة أو المفقودة، في العمل الخليجي.
مع إنجاز هذه الخطوات تكون وحدة الموقف من القضايا الحساسة والحيوية، قد أخذت طريقها إلى الترجمة؛ من خلال السياسات المطلوبة والكفيلة بتعزيز المناعة الخليجية اللازمة لدرء المخاطر، أو على الأقل لتقليص مفاعيلها وخسائرها. خاصة وأن المنطقة تعيش طفرة تنموية غير معهودة، تتطلب تضافر الجهود وحشد الطاقات لحماية المكتسبات ومواصلة المسيرة.
وليس خفياً أنه إذا كانت البنود الخليجية الداخلية ضاغطة بهذه الدرجة، فإن الملفات الإقليمية والعربية في اللحظة الراهنة؛ هي كذلك وأكثر. من الوضع العراقي الذي يمرّ في طور مخاضي صعب ومحفوف بكل المخاطر؛ إلى الوضع الفلسطيني الذي دخل، بعد أنابوليس، مرحلة مفتوحة على شتى الاحتمالات مروراً بالأزمة اللبنانية التي لا تزال تتقلب بين البارد والساخن، وتنذر بتداعيات وتطورات خطيرة إذا بقي الفراغ الرئاسي مستبداً بساحتها.
يضاف إلى ذلك ويزيد من درجة التأزيم في المشهد الإقليمي أن الملف النووي الإيراني بعدما فشلت قبل يومين المباحثات الإيرانية ـ الأوروبية، بخصوصه، عادت نغمة التصعيد إلى ساحته عبر التهديد بعقوبات وما سوف يستثيره ذلك من رد إيراني.
لقد سبق أن قامت مؤخراً، دول الخليج، بمحاولة تساهم في العثور على مخرج للأزمة عندما طرحت فكرة إقامة «كونسورتيوم» لتخصيب اليورانيوم، في بلد محايد خارج المنطقة، لتستفيد منه دولها في مجال الاستخدام للأغراض المدنية.
ولا شك أن مبادرة دول التعاون هذه تعكس الاستشعار الخليجي بخطورة الموضوع النووي، وما قد يجرّه من مضاعفات؛ سواء على صعيد الانتشار أو على صعيد المواجهات العسكرية؛ مع كل ما يؤدي إليه ذلك من آثار سلبية على الخليج وعموم المنطقة.
ولعل حضور إيران كضيف في القمة، يكون فرصة للاطلاع على القلق الخليجي في هذا المجال، كما على الرغبة الخليجية في لعب دور اللاجم للتصعيد الذي لو بقي على وتيرته لما عاد إلا بالخسائر على الجميع. وهذا بحد ذاته بالإضافة إلى الهموم الخليجية والعربية الأخرى يجعل من هذه القمة غير اعتيادية بامتياز، لعلها تكون قمة التفعيل.
