بعد نحو خمس سنوات من الاحتلا ل الأميركي للعراق وأفغانستان، واعتماد مبدأ الغزو والقوة، التي كلفت واشنطن أكثر من تريليون ونصف التريليون دولار، اكتشف وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس أن مكانة واشنطن، كقوة أحادية في العالم لا يمكن تعزيزها والحفاظ عليها، من خلال طلقات المدافع، وقسوة أحذية الجنود الذين وحلوا فيما وراء البحار.

غيتس ببساطة وهو الجالس على كرسي قيادة العسكر الذين أنهكتهم حروب بوش الاستباقية، وإصرار رئيسه على تحقيق مهمات فاشلة، يدعو إدارته في واشنطن إلى اعتماد ما أسماه «القوة الهادئة» لتحقيق الأهداف الأميركية في الساحة الدولية، من خلال أحداث زيادة كبيرة في الأموال المخصصة للعمل الدبلوماسي والمساعدات الخارجية والعلاقات العامة،

أو بعبارة أخرى قالها غيتس في خطاب في جامعة كنساس ستيت في مانهاتن «يجب أن نركز طاقاتنا على ما هو ابعد من أسلحة العسكريين ومن الجنود والبحارة ورجال سلاح الجو ».

معتبرا أن الميزانية المخصصة لبرامج السياسة الخارجية الأميركية والبالغة 36 مليار دولار «صغيرة جدا» بالمقارنة مع الميزانية العسكرية التي تبلغ حوالي تريليون دولار سنويا في الوقت الحالي.

غيتس الذي بدت دعوته للجوء إلى الدبلوماسية المتناقضة مع كونه وزيرا للدفاع سارع للتوضيح قائلا انه يدعو «إلى تعزيز قدرتنا على استخدام القوة الهادئة لتتكامل بشكل أفضل مع القوة الصارمة».

وللدمج بين القوة الهادئة والصارمة على حد تعبير غيتس فان المهمة تتطلب ليس المزيد من الجنود وإنما نشر فرق من الخبراء في كافة المجالات للعمل مع العسكريين في مناطق الاضطرابات من اجل كسب العقول والقلوب في ظل الكراهية المتنامية تجاه الولايات المتحدة.

كلمات غيتس جاءت في أعقاب تقييم آخر لاستخدام القوة، قدمه قائد القوات الأميركية السابق في العراق الجنرال المتقاعد ريكاردو سانشيز الذي دمغ استراتيجية بوش بالفشل، ورمى بثقله إلى جانب دعوة الديمقراطيين لسحب سريع للقوات الأميركية من العراق.

حصيلة الفشل في العراق، والإخفاق في كسب العقول الرافضة للسياسات الأميركية، أجبرت في النهاية، مسؤولا كبيرا في إدارة بوش على الاعتراف العلني، بان الدبلوماسية أو «القوة الهادئة» أكثر تأثيرا وأعظم نفعا من دماء الجنود المهدرة هباء في ساحات المعارك، والأموال الطائلة التي تذهب إلى القنابل والمدافع، من دون أن تحقق الأهداف المرجوة منها.

عاند بوش قبل خمس سنوات مجلس الأمن الدولي، والعديد من الدول الكبرى التي رفضت مغامراته العسكرية، ودفع بالجيوش إلى ساحات القتال، واليوم يحصد التقاط الصور مع جنود فقدت أطرافهم، وأقعدتهم الحرب فوق كراس متحركة، بعد أن عادوا من جبهات القتال فلم يجدوا حتى الرعاية الصحية اللائقة.

ومن هنا ليس غريبا أن تظهر استطلاعات الرأي داخل الولايات المتحدة من وقت إلى آخر المزيد من التدهور في شعبية بوش، والحديث لا يكف على السنة المحللين السياسيين على أن الرئيس الأميركي بات عبئا على حزبه الجمهوري الذي يتوقع هؤلاء هزيمة لمرشحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وهي نتيجة متوقعه بعد أن طاردت لعنة الحرب حلفاء بوش واحدا وراء الآخر، على غرار ما حدث مع توني بلير اقرب تابعيه في بريطانيا وقبله رئيس الوزراء الاسباني السابق خوسيه ازينار، وأخيرا الحليف الاسترالى جون هاوارد الذي لحقت الهزيمة بحزبه.

اليوم وعندما يعترف المسؤولون الأميركيون على غرار غيتس، بفشل استخدام القوة في تحقيق الأهداف، فان اعترافهم للأسف، جاء متأخراً للغاية، فقد دمرت الحرب بلدا بحجم العراق وزادت من خراب أفغانستان،

وزرعت غصة في النفوس يصعب محوها في القريب العاجل حتى وإن لجأت واشنطن إلى «القوة الهادئة» ودفعت المليارات لإصلاح ما أفسدته المدافع. فما أسهل التدمير، وما أصعب إعادة الإعمار. فالبناء يستغرق سنوات طوال من العمل الجاد والصبور، أما الهدم فلا يحتاج سوى لأيام من الغضب وانفلات الأعصاب.