لا أحد في منطقة الشرق الأوسط أو خارجها يستطيع أن ينكر مكانة الولايات المتحدة في العالم وأهمية دورها المحوري والأساسي في صياغة السياسات الدولية والعمل على تنفيذها على أرض الواقع.

فالولايات المتحدة هي الدولة الأقوى في العالم على جميع المستويات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والسياسية وتتمتع بنظام سياسي ديمقراطي حر تحسدها عليه معظم دول العالم بما فيها العديد من الدول الغربية لا سيما وثيقة الدستور الأميركية التي تعتبر الأهم بين جميع الوثائق الدستورية في عالمنا الحديث.

كما أن الشعب الأميركي الغني بتنوعه الثقافي والعرقي يتميز بصفات عديدة ميزته كثيراً عن معظم شعوب العالم الحر وجعلته الشعب الأغنى ثقافياً بين الشعوب الغربية والأقرب إلى العالمين الثاني والثالث بما فيها منطقة الشرق الأوسط.

فهو شعب في وطنه يحب الحرية ويحترم خصوصيات الشعوب الأخرى ويرفض العنصرية ضد الآخرين ويساهم بشكل كبير ومتميز في بناء الحضارة الحديثة التي تعتمد على العلم والمعرفة.

ولكن الذي حصل في الولايات المتحدة منذ تولي الرئيس بوش سدة الحكم في واشنطن أنه تراجعت مكانة الولايات المتحدة المعنوية والسياسية والاقتصادية وتقلصت مصداقيتها في كل العالم وهذا ما شهدناه في العلاقات الأميركية ـ الروسية والأميركية ـ الصينية والأميركية ـ اللاتينية،

وليس فقط في منطقة الشرق الأوسط وحدها، علماً ان تركيزنا في هذا المقام سيركز على هذه المنطقة الساخنة والتي تقف على حافة الهاوية بسبب سياسات الإدارة الأميركية الحالية. فمنذ وصول الرئيس جورج بوش إلى البيت الأبيض ومنطقة الشرق الأوسط تحظى باهتمام ورعاية هذه الإدارة المتشددة في واشنطن.

وقد سمعنا عن ولادة مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، وهو مشروع تبلور بعد الهجمات الإرهابية التي ضربت برجي التجارة في مدينة نيويورك في 11 سبتمبر 2001، التطور الأبرز الذي نتج عنه تحول جذري في العلاقات الدولية خاصة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة والدول العربية والإقليمية من جهة أخرى.

هذا التحول تجسد في إعلان الولايات المتحدة الحرب على «الإرهاب» في أنحاء العالم وخاصة في منطقة الشرق الأوسط ونجاح إدارة الرئيس بوش في أن تقحم مفاهيم جديدة تتعلق بالإرهاب،

كان أخطرها الخلط المتعمد بين مفهوم «المقاومة المشروعة» لتحرير الإنسان والأوطان ومفهوم (العمل الإرهابي) الفردي والجماعي، رافضة العودة إلى المرجعيات الدولية الهامة كاتفاقية جنيف وميثاق الأمم المتحدة والقرارات الدولية التي تضمن الحق للشعوب في مقاومة الاحتلال.

هذه التحولات الدولية مهدت الطريق لواشنطن لإعلان الحرب على «الإرهاب» تحت غطاء أممي، وتمكنت من احتلال أفغانستان والعراق متحججة بذرائع مختلفة

لتنفيذ مشاريع أميركية في هذه المنطقة تتعلق بالمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، كما أعلنت الولايات المتحدة على لسان وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس أن الإدارات الأميركية السابقة قد أخطأت خلال الستين عاماً الماضية عندما دعمت أنظمة ديكتاتورية وشمولية في العالم العربي،

الأمر الذي أدى إلى نشوء منظمات «إرهابية». ولذلك تركزت الجهود الأميركية منذ عام 2004 على تطبيق مشروع الشرق الأوسط الكبير « لنشر الحريات والديمقراطية وتغيير المناهج الدينية وتحرير المرأة »،

علماً أن كل هذه الشعارات الكبيرة انهارت عند أول تطبيق عملي على أرض الواقع، مثلما حدث في فلسطين بعد أن فازت حركة حماس بالانتخابات التشريعية وأعلنت واشنطن وتل أبيب رفضهما لهذه الانتخابات.

إن مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الجديد الذي لا كبير فيه ولا جديد إنما يهدف إلى حماية المصالح الأميركية وإسرائيل وإلى تصفية المقاومة الوطنية في لبنان وفلسطين والعراق ومن ثم استكمال المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في المنطقة تحت عنوان السلام ومبدأ الدولتين للوصول إلى تطبيع في العلاقات العربية ـ الإسرائيلية،

كما أن هذه الشعارات الرنانة حول الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان انهارت أيضاً عندما اكتشف العالم أن إدارة الرئيس بوش تمارس سياسة البطش والعنف والتعذيب في معتقلات أبو غريب وغوانتانامو وغيرها من المعتقلات السرية، وما أكثر التقارير الأميركية وغيرها حول هذه الانتهاكات.

فهل يعقل أن تتحدث الإدارة الأميركية عن الديمقراطية والحرية والسيادة وحقوق الإنسان والحيوان بينما تحتل دولة كاملة وشعباً بأسره في العراق وقتلت أو تسببت بالقتل لمئات الآلاف والمعاناة للملايين من الشعب العراقي وأصبح العراق فعلياً وعملياً مهدداً بالتقسيم والتقطيع ومكاناً للنهب والسلب من قبل الجميع وعلى رأسهم الاحتلال الأميركي.

العراق اليوم وهو عراق مقسم عمودياً وأفقياً ومنهك بسبب الحرب والاحتلال وقد أصبح مصدراً للتهديد للدول المجاورة وخاصة الدول العربية التي تواجه سيناريوهات خطيرة في العراق من شأنها أن تهدد أمنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي

ما لم تعيد حساباتها السياسية وتتبنى استراتيجية جديدة لإدارة المأزق بعد الهزيمة الأميركية كي تستطيع أن تساعد الشعب العراق في الحفاظ على وحدته الوطنية وبناء اقتصاده وتحقيق مصالحة وطنية حقيقية بين جميع أفرقاء الشعب العراقي.

علاوة على ذلك، فهناك الكثير من الإشارات والتصريحات الأميركية والإسرائيلية ومؤخراً الفرنسية التي تتحدث حول إمكانية التصعيد الدبلوماسي مع إيران دون استثناء خيار الحرب بسبب الملف النووي الإيراني، الأمر الذي يزيد من خطورة الأوضاع في المنطقة ويهدد الأمن والسلم لجميع الدول المجاورة وخاصة الدول العربية.

وتصريح الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي مؤخراً والذي حذر بشكل واضح من الخيار العسكري ضد إيران وتداعياته على المنطقة بأسرها ما هو إلا دليل جديد على سياسة الإدارة الأميركية الفاشلة في المنطقة.

ولكن في الوقت ذاته يتم الحديث عن احتمال عقد صفقة بين طهران وواشنطن يتم فيها احترام الدور الإقليمي لإيران والمصالح الإيرانية مقابل تسوية مرضية لجميع الأطراف حول الملف النووي الإيراني. ولكن القلق العربي لا يتضاءل في هذه الحالة بسبب المخاوف من أن تبرم صفقة إيرانية ـ أميركية على حساب المصالح العربية وخاصة الخليجية.

والحقيقة أن هناك الكثير من القضايا والملفات السياسية والاقتصادية والأمنية في العالم العربي والمنطقة بأسرها بحاجة إلى انتباه وتنبه من قبل القيادات العربية من أجل اتخاذ قرارات مدروسة وحاسمة نظراً لخطورة التطورات في العراق ولبنان وفلسطين والملف النووي الإيراني وتداعيات كل هذه التطورات على الشعوب العربية.

إذاً هناك تناقض كبير بين الأقوال والأفعال وبين المطالبات والممارسات في الخطاب والقاموس السياسيين للإدارة الأميركية. كما أن العالم ما انفك ينتقد سياسة المعايير المزدوجة عندما يتعلق الأمر بالصراع العربي ـ الإسرائيلي وعملية السلام وممارسات إسرائيل العدوانية ضد جيرانها ورفضها للشرعية والقرارات الدولية.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com