في العديد من بلادنا العربية نعرف هذه الظاهرة، فحين يحتاج مسؤول إلى مناسبة للظهور وتقديم إنجاز جديد، ثم يبحث المعاونون فلا يجدوا هذا الإنجاز، يتم اللجوء إلى مشروع قديم و«اختراع» أي مبرر لكي يتم «افتتاح» المشروع القديم مرة ثانية، وربما ثالثة إذا اقتضى الأمر، وسط تهليل إعلامي وحديث مكرر عن «الإنجاز » الكبير.

كانت هذه الظاهرة أمامي، وأنا أتابع تلك التظاهرة التي أرادت الإدارة الأميركية أن تشغل بها العالم (وكان لها بالطبع ما أرادت) فتوجهت أنظار العالم إلى «أنا بوليس» لتشاهد الرئيس الأميركي بين رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس الوزراء الإسرائيلي..

وهو مشهد رأيناه كثيراً من قبل مع اختلاف الوجوه وأماكن اللقاء، ولتشاهد ممثلي الدول العربية وهم يجلسون مع ممثلي العالم كله يتابعون العرض الذي يشبه مسرحيات الممثل الواحد في محاولة عقيمة لإظهار الرجل الذي تسبب في قتل مليون عراقي وتدمير بلدهم، والذي قاد بلاده والعالم إلى حرب خسر فيها الجميع،

ولم يكسب منها إلا تيار التطرف و«الإرهاب» الذي أعلنت الحرب للقضاء عليه.. وكأنه قد تحول بين يوم وليلة إلى رجل سلام وداعية محبة!! كما هو متوقع، تم الإعلان عن ان مجرد انعقاد المؤتمر هو «الإنجاز»

وهذا حقيقي إذا كان الهدف تغيير صورة بوش من أفشل رئيس أميركي إلى صانع للسلام! كما تم الإعلان عن الخطوة الأساسية وهي إطلاق عملية التفاوض بين إسرائيل والفلسطينيين حول القضايا الأساسية.

والكل يعلم أن عملية التفاوض هذه قد انطلقت بصورة علنية مع عملية أوسلو في مطلع التسعينات من القرن الماضي، وأنها كانت تتم بصورة سرية قبل ذلك بسنوات. وأنها كادت تصل إلى اتفاق نهائي في أواخر عهد الرئيس السابق كلينتون في مفاوضات كامب ديفيد الثانية،

والتي تم استكمالها في «طابا» حيث كادت القيادة الفلسطينية أن توافق على ما تم التوصل إليه، لولا أن الرئيس عرفات رأى أن العملية تحتاج إلى «غلوة» أخرى لتحقيق شروط أفضل في بعض القضايا، وانتهى الأمر مع رحيل كلينتون، لتظل القضية الفلسطينية في الثلاجة ما يقرب من سبع سنوات بالنسبة للإدارة الأميركية. كان فيها انحياز واشنطن لإسرائيل بلا حدود،

ودعمها لحرب الإبادة وحصار التجويع ضد الشعب الفلسطيني بلا قيود.. لتستفيق فجأة على تذكر أن القضية الفلسطينية هي أم القضايا في الشرق الأوسط، ولتبدأ في تسويق مشروعها لـ «إطلاق» المفاوضات التي انطلقت بالفعل منذ سنوات طويلة!!

وحين انطلقت الدعوة لمؤتمر «أنا بوليس» في منتصف العام، كان المشهد مختلفاً لحد ما في المنطقة. كانت الإدارة الأميركية في أزمة طاحنة مع سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس وإصرارهم على بدء الانسحاب من العراق الذي كانت أوضاع القوات الأميركية به في أسوأ حالاتها،

وكان التهديد بالحرب ضد إيران يتصاعد في ظل تنامي ضغط الجناح المتشدد في الإدارة الأميركية، وتسويقه لفكرة أن تامين «الخروج المشرف» من العراق لن يتم إلا بضربة لإيران بغض النظر عن حكاية القدرات النووية الإيرانية.

وهكذا انعقد «أنا بوليس» وهكذا انفض.. وما يستوقفنا هنا عدة أمور بعيدا عن الخطابات الرسمية لبوش واولمرت وأبو مازن التي لم تكن في مجملها إلا أحاديث مكررة لم تأت بجديد.

* يستوقفنا هنا أن العرب قد شاركوا بعد رفض كل شروطهم للحضور.. فقد طلبوا التزاماً بالمبادرة العربية، وطلبوا جدولاً زمنياً، وطلبوا ضمانات أميركية.. الخ، ولم يحدث شيء من ذلك.

* ويستوقفنا هنا أن كل ما طلبه الفلسطينيون لجدية العملية لم تتم الاستجابة إليه. طلبوا التقيد بقرارات الشرعية الدولية والالتزام بإنهاء الاحتلال، وطلبوا التقيد فورا بوقف الاستيطان وإزالة الجدار العازل والإفراج عن الأسرى، ولم تتم الاستجابة لذلك.

* ويستوقفنا هنا أن المرجعية الأساسية التي ركز عليها الرئيس الأميركي في خطابه هي خريطة الطريق.. وخريطة الطريق لا يجوز أن تكون مرجعية، فهي مجرد آلية لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه والاستعداد للخطوات القادمة. ويستوقفنا هنا أن الاتفاق على البدء في التفاوض حول قضايا الحل النهائي لم يذكر ما هي هذه القضايا.

وهل يدخل فيها القدس واللاجئون أم لا؟! ويستوقفنا هنا أن اخطر ما جاء على لسان الرئيس الأميركي هو حديثه عن رسالة الضمانات التي سبق أن أرسلها لرئيس الوزراء السابق شارون قبل ثلاث سنوات باعتبارها إحدى المرجعيات.. وهو ما يعني أن على الفلسطينيين أن يقبلوا بالتعهد الأميركي بعدم عودة اللاجئين الفلسطينيين، وبيهودية الدولة الإسرائيلية، وبأن التجمعات الاستيطان الرئيسية في الضفة ستبقى.

* ويستوقفنا هنا الحديث الأهم لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في هذا الصدد، تأكيدها على أن السلام في المنطقة مصلحة قومية لأميركا وأن الفشل في العملية التي بدأت في «أنا بوليس» ليس اختياراً مطروحاً على أميركا. وهو ما يطرح عدة أسئلة: فإذا كان السلام مصلحة قومية لأميركا، فلماذا تم إهمال هذه المصلحة لسبع سنوات؟

وإذا كان الفشل ليس مطروحاً فأين ضمانات النجاح وإسرائيل ترفض أي حديث عن القدس واللاجئين، وأميركا تكتفي بالحديث عن خيار الدولتين، دون أن تقول ما هي حدود هذه الدولة وهل ستكون دولة حقيقية أم مجرد كانتونات معزولة لا تملك من أمرها إلا ما تملكه السلطة الفلسطينية للآن في غزة ورام الله؟

* ويستوقفنا الإصرار على التطبيع المجاني ليس من جانب إسرائيل فهو أمر متوقع، ولكن من جانب الإدارة الأميركية باعتباره «عربون الصداقة» الذي سيدفع إسرائيل إلى تقديم التنازلات «المؤلمة» والتي لا تزيد على التخلي عن بعض الأراضي المحتلة بالقوة والاحتفاظ ببعضها الآخر ومن بينها القدس بالمخالفة لكل القرارات الدولية. وهو أمر ينبهنا إلى حجم الضغوط التي ستتعرض لها الدول العربية في الفترة القادمة.

* ويستوقفنا أن العرب لم يفتحوا الملف النووي الإسرائيلي في هذه التظاهرة العالمية. صحيح أن أميركا كانت سترفض كما رفضت كل الشروط التي وضعها العرب لحضور المؤتمر ومع ذلك حضروا. لكن على الجميع أن يتصرف على أن هناك مشروعا أميركيا جاهزا لفرض حل سيكون بالقطع على حساب الفلسطينيين والعرب.

وعلى الجميع أن يستعدوا لمرحلة صعبة ستتزايد فيها الضغوط من أجل التطبيع، ومن هنا فليكن هناك شرط إضافي لأي خطوة على طريق التطبيع، وهو فتح الملف النووي الإسرائيلي والالتزام بإعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، وفتح المنشآت النووية الإسرائيلية أمام الرقابة الدولية.

وإذا كان السلام في المنطقة هو مصلحة قومية لأميركا كما أكدت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس.. فليكن سلاماً عادلاً ينحاز للشرعية ولا يفرض الأمر الواقع. وإذا كان الفشل في هذا المسعى ليس اختياراً مطروحاً على أميركا

كما تؤكد رايس فإن النجاح له عنوان واحد لم نسمعه في «أنا بوليس» وهو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتطبيق قرارات الشرعية الدولية، والالتزام بخلو المنطقة من أسلحة الدمار الشامل، وبعدها ـ وليس قبلها ـ تأتي العلاقات الطبيعية.

كاتب صحفي مصري