إذا كان هنالك من اتفاق أميركي إيراني فهو بشأن مفهوم المفتاح في التعامل مع أزمات المنطقة. إيران تعتبر كما يقول هاشمي رافسنجاني «ان مفتاح أمن الشرق الأوسط هو في يدها»، فيما المقاربة الأميركية لقضايا المنطقة تقوم على مسلمة مفادها ان الملف النووي الإيراني الذي صار عنوان الصراع الأساسي في المنطقة هو مفتاح التعاطي مع تحديد شروط الدور الإيراني المقبول أميركيا وهو مفتاح التعاطي مع الأزمات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط.

أزمة النووي حجبت لدرجة كبيرة الأزمة العراقية رغم تفاقمها وخطفت الضوء منها. كما ان كثيرا من المراقبين يعتبرون «أزمة النووي» بمثابة المحرك الأساسي شبه الخفي من المنظور الأميركي وراء الدعوة لاجتماع انابوليس ووراء دبلوماسية انابوليس بشكل عام.

«أزمة النووي» أيضاً تحدث إرباكا عند البعض العربي المنشغل والقلق من هذا الملف والذي لا يستطيع في انشغاله وقلقه وإرباكاته عزله عن المعالجة الأوسع التي تشمل السلاح النووي الإسرائيلي.

تتضح المفارقات حول نظرية المفتاح ويدل عليها تقرير محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية. كل اخذ ما يناسبه من تقرير البرادعي مجتزئا التقرير ليوظفه في لعبة المفتاح في المواجهة الشرق أوسطية.

واشنطن انتقدت البرادعي حينما تحدث عن «تقدم ملموس» في تعاون إيران مع وكالته باعتبار ان واشنطن تريد طرح الملف النووي الإيراني كليا في مجلس الأمن كملف سياسي امني وترفض التعامل معه كملف «فني» في إطار الوكالة مشككة في «حيادية» واحترافية وبالتالي مصداقية البرادعي

في حين ان إيران ترى في الكلام ذاته للبرادعي شهادة على تعاونها وعلى ضرورة ابقاء هذا الملف في اطاره الفني البحت، أي في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رغم ان البرادعي يطالب بالمزيد من المعرفة والاطلاع على البرنامج النووي الإيراني للتحقق من النشاطات النووية غير المعلنة.

وتبدو في الأفق إشارات متناقضة ولو ان السلبي منها أكثر من الايجابي وزنا وحدة في التفاعل الصدامي بين واشنطن وطهران: من الايجابي، الاستعداد لجولة من المحادثات في العراق حول العراق، بروز خط في الادارة الأميركية تمثله وزيرة الخارجية يركز على الدبلوماسية

وليس على المواجهة في الملف الإيراني ولو انه مازال الخط الأضعف والمرتبك لأنه مقيد حتى الآن فيما يمكن الذهاب اليه مما يضعف من مصداقيته مقارنة مع الخط الصدامي الذي يمثله ديك تشيني نائب الرئيس،

تصريحات للرئيس الإيراني حول استعداده للبحث مع دول عربية في اقتراح تخصيب اليورانيوم خارج المنطقة من خلال تشكيل هيئة دولية لهذا الأمر ملاقيا بذلك ومتجاوبا ولو بشكل اولي مع اقتراح دول مجلس التعاون الخليجي، مقابل هذه الرسائل الايجابية يبقى الخطاب السياسي والإعلامي تحريضيا

وتعبويا عند الطرفين وتبقى المواجهة قائمة في لبنان وفلسطين إلى جانب المواجهة الهادئة والمقيدة دائما بالمصالح المشتركة في العراق، و«عرض العضلات» العسكرية وإدخال المنطقة في سباق تسلح بمثابة إشارات حول احتدام الصراع القائم.

عشية اجتماع الأسبوع الثاني من ديسمبر بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية للبحث في ما يعتبره الطرفان ولو بأشكال مختلفة قضايا عالقة في الملف النووي وفي ظل المقترحات المضادة والتهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران تبدو هناك سيناريوهات أربعة ممكنة:

ـ سيناريو تصعيد العقوبات نوعا وكما في إطار مجلس الأمن وهو سيناريو يلاقي صعوبات بسبب التحفظات الصينية والروسية ويعترف الغربيون انه غير ذي فعالية وانه بطيء في خطواته ونتائجه رغم انه كما يعترفون الأكثر شرعية على الصعيد الدولي ولكن الأقل فعالية بسبب تضارب الرؤى والمصالح بين القوى الغربية الثلاث من جهة والقوتين «الشرقيتين» من جهة أخرى، الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.

ـ سيناريو عقوبات غربية خارج إطار مجلس الأمن قد لا تحظى بإجماع أوروبي ولكنها محررة من قيود الإجماع بحيث تكون أكثر حزما «ووجعا» وتأثيرا ولكنها في الوقت ذاته قد تعطل العملية الدبلوماسية شبه المعطلة حاليا من حيث نتائجها بين المتشددين الغربيين وإيران.

ـ سيناريو ضربات عسكرية أميركية أو إسرائيلية محدودة قد تحصل في الربيع القادم وبأي حال قبل نهاية ولاية الرئيس بوش، واذ يدرك اصحابها انها في افضل الأحوال ستؤخر لفترة سنتين اوثلاث البرنامج النووي الإيراني لكنها ستشكل قطيعة شبه نهائية مع العملية الدبلوماسية ان لم تقض على هذه العملية لفترة طويلة وتجعل المنطقة في حالة مواجهة شاملة لا تعرف نتائجها ولا أفقها الزمني.

ـ سيناريو المقاربة الدبلوماسية الشاملة وتبدو مستبعدة حاليا بسبب التشدد الحاصل عند كل من الطرفين والذي يوظفه الطرف الآخر دعما لخطه التشددي لكنه يبقى الخيار الأكثر واقعية رغم تعقيداته من حيث قيامه على مقاربة شاملة لكافة الملفات التي تهم الطرفين في الصراع في الشرق الأوسط وفي إطار مقاربة متعددة الأطراف

من حيث المنخرطين فيها تقوم على مسار تدرجي تطبيعي تتعرضه دون شك عقبات وحواجز بعضها بسبب الارث الثقيل للمواقف والسلوكيات وبعضها بسبب وجود قوى في كل طرف تعارض ذلك لكن أهميتها وواقعيتها أنها تدرج الملف النووي في إطار مقاربة تتناول كافة الملفات ودبلوماسية الربط فيما بين هذه الملفات مما يسهل تسويته.

الخوف من ان الانسداد في الخيار الأول والتصعيد الذي يحمله الخيار الثاني وما قد يعتبره البعض مثاليا في الخيار الرابع وتعقيدات حصوله قد يدفع باتجاه سيناريو الصدام الذي قد يشجعه ما اسميه صدام الأوهام أو القراءة المزدوجة الخاطئة: قراءة أميركية تعتبر ان الضربة المحدودة ستحمل نتائج سياسية تغييرية في إيران

ولو انها لن تكون حاسمة عسكريا وقراءة إيرانية تعتبر ان غرق واشنطن في مختلف الملفات الأخرى في المنطقة لن يسمح لها باللجوء إلى الخيار العسكري مما يشجع القيادة الإيرانية على المضي في التصعيد وتغييب المرونة الضرورية والسلوكيات المطمئنة المطلوبة في ملفات أساسية عديدة تجاه جيرانها العرب.

صدام الأوهام لن يؤدي إلا إلى مزيد من الحروب ذات الأنواع المختلفة في المنطقة ويدفع الشرق الأوسط من جديد إلى طريق المجهول مسقطا أيضاً خيار المقاربة الشاملة للأزمة الغربية الإيرانية ولأزمات المنطقة التي تزداد اشتعالا في كنفها.

كاتب لبناني