الرئيس بوش والرئيس أبو مازن وإيهود أولمرت متفائلون بأن مؤتمر أنابوليس يدشن عهداً تفاوضياً جديداً وواعداً بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وسواء كان هذا التفاؤل مبرراً أو غير مبرر .
فإن مما لا شك فيه أن العنوان الرئيسي لمرحلة ما بعد أنابوليس سيكون «التنسيق الأمني» بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل للتعامل مع معارض العهد الجديد في الضفة وغزة بأعلى درجات العنف والقهر.
وبما أن الفعل سيؤدي إلى رد فعل يتعاظم بتعاظم الفعل فإن السؤال الذي يطرح هو: هل تشهد مرحلة ما بعد أنابوليس وما قبل نهاية ولاية الرئيس بوش مع ختام عام 2008 اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثالثة؟
الانتفاضة الثانية اندلعت في عام 2000 كرد فعل شعبي عارم على سياسة الإرعاب التي كان ينتهجها ياسر عرفات والتي كان قوامها تنسيق بين الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية وجهاز «شين بيت» الإسرائيلي الذي يختص بمهام الأمن الداخلي لملاحقة معارضي أوسلو بالاعتقال والتعذيب في سجون السلطة وتنفيذ عمليات اغتيال.
ونذكر أن عرفات اعتنق هذا النهج الأمني الدموي بعد أن احتفل بتمزيق ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية كإجراء رمزي يشير إلى أن المنظمة تخلت نهائياً عن مبدأ الكفاح المسلح تنفيذاً لتعهدها بذلك وفقاً لاتفاق أوسلو. الآن جاء عهد أنابوليس على يد أبو مازن ليخلف عهد أوسلو في عهد عرفات.
في أنابوليس تعهد الرئيس أبو مازن للإسرائيليين والأميركيين وشهود عالميين بتطبيق «المرحلة الأولى» من مشروع «خريطة الطريق» الذي يلزم السلطة الفلسطينية بالقضاء نهائياً على «الإرهاب» الفلسطيني ـ أي حركة المقاومة بفصائلها وكوادرها القتالية.
أصبح الفلسطينيون إذن موعودين بسياسة جديدة تحت عنوان «أنابوليس». ومن فرط حماسة الرئيس أبو مازن لتدشين هذه السياسة ميدانياً فإنه سارع إلى تطبيقها حتى قبل أن يبلغ المؤتمر الدولي ختامه،
فقد شهد العالم مدى العنف الوحشي الذي قمعت به قوات السلطة الفلسطينية مظاهرات المعارضين التي خرجت في اليوم الأول للمؤتمر مستخدمة الرصاص الحي.. وكيف امتد القمع إلى المراسلين الصحافيين فقتلت أحدهم.
كان هذا في الضفة الغربية. أما قطاع غزة الذي لا يمتد إليه النفوذ السلطوي للسلطة الفلسطينية فإن إسرائيل ستتولى أمره بنفسها. ولذا ستكون مرحلة ما بعد أنابوليس مرحلة تشديد الحصار على قطاع غزة بما في ذلك قطع الكهرباء عنه نهائياً.
وعلى خطٍ موازٍ ستعتبر إسرائيل تفاهم أولمرت مع أبو مازن برعاية بوش على تصفية «الإرهاب» الفلسطيني ضوءاً أخضر لشن هجمات موسعة وبالغة الوحشية على القطاع مع استئناف عمليات اغتيال الكوادر القيادية ـ خاصة كوادر حماس.
مع مرور الأيام وتصاعد حدة العنف الترعيبي في كل من الضفة والقطاع سوف يتساءل الفلسطينيون: ما هي «ثمار» أنابوليس؟ وسيكتشفون أنه لم يتغير شيء: نقاط التفتيش الإسرائيلية باقية، والقوات الإسرائيلية تواصل كالعادة مداهماتها الدموية في الأحياء والقرى، والجرافات لن تتوقف عن تدمير المنازل وتشريد الأسر، والاستيطان اليهودي يتوسع بينما لا تتوقف مصادرة أراضي الفلسطينيين.
كانت الصورة كذلك في عهد تطبيق أوسلو. ومع تراكمات الغضب المدفوع بمشاعر اليأس اندلعت الانتفاضة الثانية، فكيف لا تندلع انتفاضة مماثلة في عهد أنابوليس؟