إذا كان مجرد انعقاد مؤتمر أنابوليس انتصاراً فإننا نوافق الإدارة الأميركية على ما ذهبت إليه واعتبار أنها حققت انتصاراً بمفهومها الخاص، مع ذلك فإن الأمور بخواتيمها ـ كما يقال في مأثورنا الشعبي ـ والعبرة في النتائج العملية وليست في الخطابات والتصريحات والكلام المنمق الموزون.
فالإدارة الأميركية أمنت النصاب المطلوب للاجتماع، وتمت المصافحات بين رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس الوزراء الإسرائيلي.
وتابعنا ـ كما تابع العالم ـ هذا الكرنفال الاحتفالي الذي يذكرنا باحتفالات مماثلة منذ أوسلو وحتى اليوم واتفاقات وتفاهمات ذهبت مع الأيام أدراج الرياح.
ومع أن الرئيس جورج بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت تحدثا عن
«تنازلات مؤلمة» إلا أن الحقيقة أن هذه التنازلات ستكون من الجانب الفلسطيني، في حين ستعتبر اسرائيل وإدارة بوش تفكيك بؤرة استيطانية عشوائية منتهى التنازل!
لن نجتهد في هذا الأمر، فلا اجتهاد في النص، ويكفي الإشارة إلى كلام الرئيس بوش حتى ندرك مدى التنازلات التي يجب على الجانب الفلسطيني تقديمها.
ففي خطابه الحماسي في افتتاح مؤتمر أنابوليس وصف بوش إسرائيل بأنها
«وطن لليهود» ليذكرنا بذلك بالوعد الذي أطلقه وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور في 2/11/1917 الذي نص حرفياً على «أن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين».
وإذا كان بلفور قد اعترف في نص «وعد حكومة صاحب الجلالة» بأن إسرائيل ستقام في فلسطين ـ أي إنه اعترف بوجود دولة فلسطين ـ فإن بوش لم يعترف بذلك، وإن تحدث عن دولة للشعب الفلسطيني لا تزال ضبابية الملامح والحدود والسيادة والصلاحيات وغير ذلك.
عندما يصدّق بوش على ماقاله أولمرت وتسيبي ليفني حول «يهودية إسرائيل» فإنه بذلك أجهز على واحدة من أبرز قضايا المرحلة لمفاوضات الحل النهائي، ونعني بها قضية عودة اللاجئين الفلسطينيين.
الأخطر من ذلك أن الإقرار بيهودية اسرائيل تكريس للعنصرية الإسرائيلية التي تعتبر المواطنين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، إذا نحينا جانباً فكرة ترحيلهم إلى خارج الحدود، كي تصبح اسرائيل «نقية العرق» تماماً مثلما حاول هتلر أن يفعله عندما مارس جرائم الإبادة لكل الأعراق غير الآرية ـ بمن فيهم اليهود ـ للحفاظ على نقاء ألمانيا»!
والإقرار بيهودية اسرائيل يعيدنا إلى المشاريع المطروحة منذ سنوات، ومنها توطين الفلسطينيين في البلدان التي تستضيفهم، وهو ما ترفضه هذه البلدان ويرفضه الفلسطينيون على حد سواء.
هكذا غدت قضية فلسطين مجرد محادثات حول حدود ما، ودولة صغيرة على جزء من أرض فلسطينية منزوعة السلاح والسيادة تستطيع إسرائيل عندما تشاء أن تقطع عنها كل مقومات الحياة من ماء وكهرباء وغذاء ودواء وغير ذلك كما هو حاصل اليوم بالنسبة لقطاع غزة.
والمستغرب أن محادثات السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لا تلزم إسرائيل بوقف عملياتها الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني من قصف وتدمير واغتيال، بل على العكس فإن الجانب الأميركي يطلب من السلطة الفلسطينية التنسيق مع الإسرائيليين لضرب ما تصفه ب «الإرهاب والتطرف الفلسطيني» ويدخل تحت هذا التعريف نضال شعب فلسطين من أجل الحرية والاستقلال.
يحق للإدارة الأميركية ـ والحال هذه ـ اعتبار اجتماع انابوليس انتصاراً باهراً، ولكن ليس للشعب الفلسطيني، ولا حتى للإدارة الأميركية نفسها الباحثة عن نصر في اللحظات الأخيرة من عمرها، وإنما لإسرائيل ولمشروعها التوراتي ـ التلمودي الذي صار نواة السياسة الأميركية التي يرسمها المحافظون الجدد.
إذا كانت إدارة بوش وإسرائيل تعتبران ما جرى وما قد يجري لتصفية القضية الفلسطينية نصراً فإننا نراه هزيمة للسلام العادل والشامل الذي لا يمكن أن يتحقق إلّا بإنهاء كل الاحتلالات، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، فكل ما يبنى على باطل فهو باطل من بلفور إلى بوش.
عصام داري
