بعد ان انفض مؤتمر «أنابوليس» وعادت الوفود المشاركة إلى بلادها تأتي مرحلة ما بعد أنابوليس وتقييم نتائج المؤتمر وتلمس شكل المرحلة القادمة من المفاوضات التي ستنطلق في الثاني عشر من هذا الشهر بين الجانبين الفلسطيني و«الإسرائيلي» لتنفيذ وعود بوش بحل الدولتين ومعالجة القضايا الكبرى المؤجلة مثل الاستيطان واللاجئين وحق العودة والقدس والحدود والدولة الفلسطينية.
ولن نخوض طويلا في تفصيلات ما جرى بين أروقة المؤتمر وما تمخض عنه من نتائج هزيلة بالنسبة للجانب العربي، لكن هل فعلا قادة الكيان الصهيوني ومن وراءهم الرئيس بوش ووزيرة خارجيته لديهم النية والمصداقية حقا في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه فعلا؟
وكذلك ما الذي نتوقعه خلال هذه المفاوضات القادمة وذلك على ضوء تجارب سابقة ومفاوضات مريرة جرت بين الكيان الصهيوني وفرق التفاوض العربية سواء في كامب ديفيد الأولى مع مصر والثانية مع الفلسطينيين وقبلها في أوسلو ووادي عربة ومدريد وغيرها كثير.
«الشيطان يكمن في التفاصيل»، هكذا تعلمنا منذ نعومة أظفارنا كما علمتنا التجارب السابقة ان المفاوض الصهيوني لا يمل التفاوض وانه يتقن المراوغة والمكر والحيلة والخداع والتسويف وقلب الحقائق واختراع التبريرات للتنصل حتى من أي اتفاق في حالة التوصل إليه. واللجوء إلى حجة عدم وجود الشريك الفلسطيني للجلوس معه على مائدة المفاوضات، أو أن هذا الشريك من الضعف بأنه لا يستطيع الجانب الصهيوني توقيع أي اتفاق معه.
لا نقول هذا من باب التجني والتشاؤم قبل بدء المفاوضات بين الجانبين ولكن كما يقولون «المكتوب يقرأ من عنوانه» فعنوان أنابوليس هو الانفراد بالمفاوض الفلسطيني وعزله عن محيطه العربي وتقديم مجرد فتات له ليس إلا، شريطة أن يتحول إلى سوط وهراوة أمنية غليظة على رقاب من يقول ولو مجرد لا همسا ضد العدو الصهيوني.
وليس ما باب العبث أو المصادقة ان الطرق إلى أنابوليس مرت أولا بنابلس في الضفة الغربية حيث سمحت قوات الاحتلال بدخول نحو 300 رجل أمن وشرطي فلسطيني إلى المدينة لفرض «الأمن والقانون» هناك ثم يتم بعد ذلك فرضه في بقية المدن الفلسطينية المحتلة تطبيقا لخطة «دايتون».
وما الأحداث التي جرت في الخليل ورام الله وإقدام الشرطة الفلسطينية على قتل مواطن فلسطيني وجرح واعتقال العشرات خلال مظاهرات الاحتجاج على مؤتمر أنابوليس إلا الدليل الصادق على ما نقول.
كما أن تعيين الولايات المتحدة الأميركية الجنرال المتقاعد جيمس جونز القائد السابق لقوات الناتو في أوروبا موفدا أمنيا إلى المنطقة العربية ومنسقا بين الجانبين الفلسطيني و«الإسرائيلي» تصب في الخطة الأمنية نفسها التي وضعتها أميركا وتنفذ بأدوات فلسطينية.
هذا فيما تنفذ قوات الاحتلال الصهيوني خلال المؤتمر وبعده خطة التصعيد والضرب بقوة كل المقاومين الفلسطينيين من مختلف الفصائل سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية وهذا ما يفسر الغارات الجوية والبحرية والبرية التي تشنها قوات الاحتلال على خان يونس وعبسان وطولكرم وغيرها في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة المحاصر.
قيل في الزمن الماضي ان اصدق القول ما شهدت به الأعداء، وفي هذا المجال فإن استطلاعات الرأي التي أجرتها الصحف العبرية بشأن نتائج مؤتمر انابوليس جاء فيها ان نسبة 50% من «الإسرائيليين» قالوا بفشل المؤتمر فيما 18% فقط يرون انه نجح، ونورد هنا أيضا ما شاهدته بأم عيني عندما زرت الأرض المحتلة قبل عدة شهور.
فقد كان لا بد من المرور على العديد من الحواجز العسكرية «الإسرائيلية» للخروج والدخول إلى أرضنا ومسقط رأسنا وفي احد الأيام خلال عودتنا من رام الله استغربنا إزالة الحاجز الرئيسي الموصل إلى قرأنا العربية وخلوه من أي جندي صهيوني ولكن كان سبب هذا الإخلاء هو زيارة مسؤولة المفوضية الأوروبية إلى المنطقة وبمجرد مغادرتها للمكان عاد الجنود المدججين بأسلحتهم إلى الحاجز للتنكيل بالداخلين والخارجين.
وأخيرا استميح الشاعر العربي العذر عندما قال «أنا لا ابكي من قاتل واستشهد.. أنا ابكي من يبحث في القمة عن دولته»، وقول «أنا ارثي لمن يبحث في القمة عن دولته»، فالمفاوضات لها بداية ولكن لا نهاية لها.