الدراسات المسحية المعتمدة على عينات عشوائية شكل لقياس الرأي العام يتسع نطاق استخدامه بوتيرة ملحوظة، وقد ساعدت ثورة الاتصالات والإعلام الراهنة على تعميم «الأسئلة» بقدر ما سهلت نقل الأجوبة.

وإذا كانت الأجواء التي خلفتها اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر قد اتسمت بقدر كبير من اهتزاز الثقة في النخب ـ وبخاصة السياسية والإعلامية ـ كونها المسؤول الأول عن تكوين وترسيخ الصور النمطية عن الآخر على الجانبين، فإنها دون شك قد أعادت الاعتبار جزئيا للناس كمصدر لإجابات عن الأسئلة الكبرى.

حيث انتشرت عمليات المسح العابرة لحدود الدول باحثة عن إجابات عن أسئلة الكراهية والقبول والحوار والصراع. . . عوضا عن تسويق إجابات معلبة انهارت مصداقيتها مع برجي مركز التجارة العالمي وفقدت إلى حد كبير قدرتها على تيسير مهمة فهم العالم.

فمن أخطر ما كشفت عنه الحوارات التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر دور شرائح من النخب السياسية والإعلامية في «تجارة الخوف» التي جعلت كلا الطرفين في الشرق والغرب يظنان الصراع خيارا وحيدا، فمثلا سبق أن حذر ليونيد شيبارين مدير مخابرات أمن الدولة الروسي سابقا من أن الحديث عن الأصولية الإسلامية فيه مبالغة.

أما المحلل السياسي الأميركي آرثر لوري فقال بصراحة مدهشة: «إن قادة الشرق الأوسط الذين شعروا بتهديد وخطر الحركات الإسلامية وبخاصة فيما (يسمى دولا شرق أوسطية) أججوا بقوة الاهتمام الغربي بالتهديد الإسلامي». ولنا أن نتخيل ما تحدثه عمليات تخويف تتم باحتراف وإلحاح في مجتمعات تشعر بخوف عميق على ما أنجزته، وتزيدها الرفاهية حساسية مضاعفة إزاء المخاطر.

ومن الظواهر المعبرة بقوة عن هذه الكارثة ما يطلق عليه في ألمانيا «الخبراء الوهميين» أمثال جيرهارد كونستلمان وبيتر شول لاتور اللذين سيطرا على أجهزة الإعلام لسنوات دون منازع بوصفهما خبيرين في شؤون الشرق الأوسط.

ورغم الانتشار الكاسح لهذه المقولات لم يعد العالم الغربي أن يجد أصواتا تزعجها ظاهرة «الخبراء الوهميين» فخاضت ضدها حروبا، وقد وجه المستشرقون في جامعة هامبورج الاتهام لبعض خبراء الإعلام بأنهم يعملون بأساليب غير شريفة على توسيع الفجوة بين الثقافتين الشرقية والغربية وتعميقها، بالإشارة دائما استحالة الحوار بينهما.

ولا تقتصر الظاهرة على ألمانيا ففي فرنسا هناك مثلا ألكسندر دل فاله الذي يعد جزءاً ممن تسميهم صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية «حلقة الخبراء السحرية» المدعوين في شكل دوري إلى شاشات التلفزة.

وبخاصة منذ الحادي عشر من سبتمبر. فهو كنموذج لهؤلاء الخبراء، لا يحب التعقيد ويرى أن العالم يمكن تحليله بسهولة، وهناك جهل فاضح بالإسلام والثقافة الإسلامية بين هؤلاء الخبراء الوهميين وحسب أحد المتخصصين الألمان: أرمجارد بين «إنه لمن التناقض الغريب والمدهش حقا بين عدم معرفتنا بالإسلام والثقافة الإسلامية وبين ثقتنا الشديدة في إطلاق الأحكام عليهما، ولم يحدث مرة أن استنكر هذا الجهل ولو مرة واحدة، بل إن النقد والاتهام يوجه باستمرار إلى تلك الثقافة دون أدنى حرج».

وفي معظم الحوارات التي تدور عن الإسلام تتكرر دوما عبارة «إنني لا أعرف شيئا عن الإسلام ولكن. . » وتعلق الباحثة الألمانية أندريا لويج قائلة: «إننا لا نفيق عند (لا أعرف) هذه لأنها ببساطة تسمح لنا ببناء عالم آخر، عالم إسلامي حتى لو لم يتسق هذا البناء مع الواقع، وهو فعلا كذلك.

فهو مطلوب لفصل (نحن) عن (الآخر) والداخل عن الخارج فصلا لا ينمحي لكي يؤمن حدود الهوية الغربية وحصنها، وهنا تظهر الكلمة السحرية ذات الحروف الخمسة (إسلام) فتنشر الفزع».

فإذا كانت هذه إجابات النخب - أو على الأقل شرائح مؤثرة منها - فما الذي تحمله إجابات «الناس»؟

سؤال يجيب عنه استطلاع رأي عالمي نشرت الترجمة العربية لنتائجه الموقع الإليكتروني لمركز الشرق العربي بلندن، وتؤكد نتائجه أن التوترات الحاصلة بين الإسلام والغرب تنبع من صراعات على السلطة السياسية والمصالح وليس بسبب الاختلافات بين الدين والثقافة، والاستطلاع أجرته هيئة الإذاعة البريطانية بين 3 نوفمبر 2006 و16 يناير 2007 عبر 27 بلدا في العالم وبلغ حجم العينة المشاركة فيه 28389 شخصاً.

النتيجة الرئيسة للاستطلاع أنه بينما يعتقد 3 من أصل 10 (29%) بأن الاختلافات الدينية أو الثقافية هي سبب هذه التوترات فان الغالبية (52%) تقول إن هذه التوترات سببها تضارب المصالح.

ولعل من الطريف أن نشير إلى أن الناس دون تنظير أدركت الدور الخطير الذي تلعبه الجماعات الصغيرة المتطرفة من الخبراء الوهميين في الشرق والغرب في نشر ثقافة حتمية الصراع فالاستطلاع يكشف عن أن معظم الناس يرون أن المشاكل تصدر من أقليات غير متسامحة ولا تأتي من الثقافة ككل.

ويرى 39% من العينة التي أجري عليها الاستطلاع أن الأقليات غير المتسامحة موجودة على كلا الطرفين.

كما أن فكرة أن الصراع العنيف هو أمر حتمي بين الإسلام والغرب رفضت بشكل واسع من قبل المسلمين وغير المسلمين والغربيين على حد سواء.

وبينما يعتقد أكثر من ربع المستطلعين 28% بأن الصراع العنيف أمر حتمي لا يمكن تجاوزه فإن ضعف هذا الرقم من المستطلعين 56% يرى أن من الممكن الوصول إلى أرضية مشتركة بين جميع الأطراف.

وفي السؤال عن مصدر التوترات بين الإسلام والغرب كانت وجهة النظر الأكثر شيوعاً في 24 دولة من أصل 27 دولة أنها نابعة من «صراعات حول السلطة السياسية والمصالح» وكان أنصارها 52 %.

وبين الكثير من الأرقام ذات الدلالات استوقفتني أرقام ذات دلالات استثنائية، فعند سؤال العينة عما إذا كانوا يعتقدون أن بالإمكان التوصل لأرضية مشتركة بين الإسلام والغرب ارتفع من معدل 46% بين من لم يتلقوا تعليماً إلزاميا إلى 64% ممن تعدوا المرحلة الثانوية.

وهو مؤشر مهم على التأثير الإيجابي للتعليم على قدرة الأفراد والمجتمعات على التعايش وترجيحه على الصراع. ومن الأرقام ذات الدلالة أيضا أن من يرجحون التعايش والحوار على الصراع هم في الغرب أكثر منهم في الغرب، وقد كانت نسبهم على النحو التالي:

لبنان (68%) ومصر (54%) وتركيا (46%) والإمارات (47%) نيجيريا (63%)، بينما كانت في الدول الغربية: إيطاليا (78%) وبريطانيا (77%) وكندا (73%) والمكسيك (69%) وفرنسا (69%) أميركا (64%).

فهل يتوقف مشعلو الحرائق عن تحميل الإسلام المسؤولية عما يحدث من أخطاء بعض المسلمين؟ والسؤال الأهم: هل نحن ـ كما تعكس الأرقام ـ أقل قناعة من الشعوب الغربية بإمكان الوصول لأرضية مشتركة مع الغرب؟

كاتب مصري