قبل عدة أيام من اللقاء الرسمي الأول بين غوردون براون، كرئيس لوزراء بريطانيا، والرئيس الأميركي جورج دبليو بوش تلقى البيت الأبيض رسالة من مسؤولي المراسم البريطانيين جاء فيها: «سوف يصل رئيس الوزراء وهو يرتدي بزة وربطة عنق، ونحن نفترض أن الرئيس الأميركي سوف يفعل نفس الشيء».

وفي الطائرة التي كانت تقلّه إلى الولايات المتحدة ألحّ براون في التأكيد على ضرورة أن يكون بوش «مترسّماً» وأن لا ينسى «ربطة العنق».

لم يكن ذلك مجرد تفصيل «شكلي»، كما يمكن أن يبدو، وإنما كان في الواقع رسالة في منتهى الجديّة موجهة للرئيس الأميركي وتريد أن تقول إن عهد توني بلير، وسروال «الجينز» قد انتهى، وإن هناك عهداً جديداً وأسلوباً جديداً في التعامل. باختصار أراد براون أن يؤكد على «قطيعة» مع الماضي.

فأيّة قطيعة؟

على مستوى التصريحات، يبدو أن العلاقات البريطانية-الأميركية هي «سمن على عسل». ونقرأ مما قاله براون: لقد أتيت إلى هنا من أجل التأكيد على الشراكة التاريخية التي يجتمع حولها بلدانا.

ثم أضاف: إن المملكة المتحدة والولايات المتحدة تعملان معا في إطار شراكة سوف تتعزز خلال السنوات المقبلة، أي ما يمكن تفسيره أنها ستكون أفضل من عهد توني بلير. وكان براون نفسه قد أشار في مقالة رأي نشرها في صحيفة الواشنطن بوست أثناء زيارته لأميركا إلى «إرث مشترك» أميركي- بريطاني، أي ردد فكرة طالما أعادها وكررها ونستون تشرشل.

الرئيس بوش كان صريحاً هو الآخر عندما قال: الجميع يتساءلون إذا كان رئيس الوزراء البريطاني وأنا قادرين على إيجاد أرضية مشتركة للتفاهم وللدخول في محادثات حقيقية. وعليهم جميعا أجيب: نعم، إننا بالقطع قادران على ذلك. بل وأكّد بوش أن غوردون براون سيفهم «الرهان العراقي» كما قال، ثم أضاف: لا شك لدي أن غوردون براون سيفهم أن فشلا في العراق سيكون كارثة بالنسبة لأمن بلدينا.

مع ذلك يبقى السؤال قائما عمّا إذا كان يمكن لبراون أن يصل لدى المسؤولين الأميركيين إلى «مرتبة» توني بلير الذي وصفه الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض بالقول: كان توني بلير صديقا وحليفا وزميلا ومستشارا قريبا جدا للرئيس.

الأفعال هي التي ستحكم وليست الأقوال «الجميلة». فماذا تقول الأفعال؟

رغم التصريحات والتأكيدات و«التنغيم المتبادل» فإن بعض الغيوم بدأت بالظهور في السماء «الصافية» للعلاقات البريطانية-الأميركية بعد وصول غوردون براون إلى رئاسة حكومة صاحبة الجلالة.

ورغم «فهم الرهان العراقي» من قبل براون وتصريحاته وتأكيداته في نهاية شهر يوليو2007 أن فكرة سحب الجنود البريطانيين من العراق غير واردة. فإن رئيس الوزراء البريطاني أعلن يوم 8 أكتوبر الماضي عن تقليص هام في عدد الجنود المعنيين من الآن وحتى أفق ربيع عام 2008، حيث يُفترض أن لا يبقى منهم في العراق سوى 2500 جندي من أصل أكثر من خمسة آلاف.

التبرير الذي قدّمه غوردون براون لقراره هو أن «خط الجبهة الأول لمواجهة الإرهاب» هو في موقع آخر، انه في أفغانستان. بوش يؤكّد من جهته أنه في العراق، هذا التباين في تحديد الخطوط الأولى للمواجهة يعني في الواقع خلافا حقيقيا في الإستراتيجيات نفسها. ومثل هذا «التباين» كان غائبا، أو «مغيّبا» عن ذهن توني بلير.

وإذا كانت العلاقات الحميمة بين بوش وبلير قد قامت فعليا على قاعدة «المغامرة العراقية» ووجدت ترجمتها عبر علاقة شخصية «رفع المعنيان بها الكلفة بينهما»، فإن الأمر مختلف بالنسبة لعلاقة الرئيس الأميركي مع رئيس الوزراء البريطاني الجديد الذي «دون أن يتصرف بطريقة غير محترمة حيال بوش، فإنه لن يقيم معه أبدا علاقة شخصية مثل علاقة بلير به»، حسبما عبّر الوزير البريطاني السابق للشؤون الأوروبية دونيس ماكشان.

ثم لا شك أن رئيس الوزراء البريطاني الجديد له حساباته السياسية أيضا ولا يغيب عن ذهنه أن جورج بوش لن يكون رئيسا لأميركا سوى إلى خريف عام 2008.

ولذلك قد لا يكون من «الحكمة» السياسية الذهاب بعيدا في التقرب من رئيس «خارج»، هذا فضلا عن أنه رئيس تتدنّى شعبيته حتى في بلاده.

حيث لا تزيد على 25 بالمئة من أصوات الناخبين كما تدل استطلاعات الرأي المختلفة الأخيرة. ثم إن لبراون علاقات وطيدة مع عدد من الشخصيات النافذة في الحزب الديمقراطي الأميركي «الزاحف» نحو السلطة، كما يبدو. فلماذا إذن المراهنة على حصان «خاسر»؟

وإذا كان من الصحيح القول إن السياسات الخارجية للدول تقوم على أساس مصالحها فإن لمفاهيم الأشخاص دورا في تحديد طريقة تعاملهم على مسرح العلاقات الدولية. هذه العلاقات ليست محكومة لدى براون بمفهوم الصراع بين الخير والشر، على طريقة بوش وبلير. وإنما هي أولا وأساسا قضية أرقام وتجارة ومصالح، فرئيس البريطاني اليوم هو وزير الاقتصاد «الناجح» خلال السنوات العشر المنصرمة.

إن التباين في المفاهيم وفي الرؤية جلب «منطقيا» تباينا في «النغمة» بين لندن وواشنطن في العديد من القضايا ذات الطابع الإستراتيجي كالأزمة العراقية وتحديد الخطوط الأولى للمواجهة مع الإرهاب. ولكن أيضا في مسائل أقل إستراتيجية.

هكذا مثلا لم يتردد وزير الخارجية البريطاني دافيد ميليباند في مطالبة واشنطن علنا بإطلاق سراح خمسة سجناء في معتقل غوانتانامو من أصول مغاربية أو شرق أوسطية لكنهم يحملون بطاقات لجوء أو إقامة في بريطانيا.

ووجه رسالة رسمية في شهر أغسطس الماضي إلى كوندوليزا رايس بهذا الخصوص. والوزير نفسه، الذي كان وزيرا للبيئة في حكومة توني بلير السابقة، انتقد بشدة الإدارة الأميركية فيما يخص موقفها من سخونة المناخ.

لكن مع هذا كله تبقى العلاقات الثنائية الانجليزية- الأميركية «سارية المفعول»، وقد كان وزير الخارجية البريطاني واضحا عندما صرّح لمجلة نيوستيتسمان بتاريخ 23 يوليو قوله: إن علاقاتنا الثنائية الأكثر أهمية هي مع الولايات المتحدة الأميركية.

كان بلير «كالمسحور» لا يعرف أن يقول سوى «نعم» للرئيس الأميركي. أما براون ربما يريد أن يقول «نعم، ولكن...» فالسياسة عنده «انجليزية» وتهتم بالأرقام وليس بالعواطف.

كاتب سوري