لغط أنابوليس طرح اشكاليات وقضايا مهمة يبدو ان الوقت حان لمناقشتها والتنبيه عليها. اهم قضايا أنابوليس لم تكن سلاما هامشيا او حقوقا يتجادل اصحابها على اهميتها وهم اول من تسبب في اضاعتها. وطلبا للعروبة والموقف العربي في حين ان كل طالب وشارب في الارض العربي صار لديه حليف دولي او اقليمي يتلحف في ثوبه ويستخدم درعه ورمحه ليصوبه نحو القلب العربي.
أنابوليس هي واحدة من المحطات التي يجب ان نقف عندها شعوبا وحكاما لكي نعيد المطالبة بأهمية تكوين استراتيجية عربية تكون نابعة من رؤية واقعية لمتغيرات البيئة الدولية المتقلبة.
انها ذات المحطة التي سبق ان وقفت فيها الدول العربية بعد اتفاقية كامب ديفيد التي وقعها الرئيس المصري الراحل انور السادات مع اسرائيل والتي اسفرت عن تبلور مفهوم الامن القومي العربي الذي طالبت به الدول العربية كوسيلة لايجاد استراتيجية عربية تحمي الحقوق العربية تمنع تساقط الدول العربية واحدة اثر الاخرى في دوامات الغرب وتوازنات الجوار الاقليمي العربي.
الواقع ان الدول العربية نجحت في تكوين المحاور الحرجة بعضهم ذهب غربا والآخر ذهب شرقا. المحاور الحرجة كانت البديل الذي وجدته الدول العربية لتحمي نفسها ليس من بعضها البعض فحسب ليس من حلحلة الكراسي فحسب وليس من التيارات والقومية والدينية والاعداء الحقيقيين والوهميين فحسب بل كذلك لكي تحمي نفسها من تلك المحاور المتقابلة.
في الثمانينات كانت الدول العربية اما مائلة نحو الاتحاد السوفييتي او باتجاه الولايات المتحدة وربما متمايلة بين البينين في محاولة لكسر الانحياز وتحقيق الاستقلال، إلا ان انتهاء الحرب الباردة افرز قطبا دوليا واحدا فاعلا في اهم مسارح الاستراتيجية الدولية الا وهو مسرح الشرق الاوسط هذا القطب اثبت على مدار السنوات المتتابعة انه لم يكن كفئا في ادارة القضايا العالمية ولم يلتزم بالمبادئ الاخلاقية التي نادى هو بها عشية انهيار الاتحاد السوفييتي مثالها احترام حقوق الانسان واحترام سيادة الشعوب والديمقراطية.
وفي قضايا الشرق الاوسط بالذات قدمت الولايات المتحدة اداء رديئا ليس فقط في التعامل مع القضايا العربية التاريخية بل وحتى القضايا المستجدة.
وعلى ذلك فان اغلب القوى العربية ربطت نفسها بتحالفات حرجة مع الغرب وقدمت نفسها طوعا لمخططات واستراتيجيات كانت اوسع من قدرتها وامكاناتها حتى اضطرت إلى ان تساهم في تعطيل امكانات الردع الذاتية التي كانت تحتويها والتي كانت امكانات يحسب لها ألف حساب ليس فقط لردع التغلغل الخارجي من القوى الكبرى بل وحتى ردع القوى الاقليمية وكذلك تلك التيارات والتنظيمات الارهابية.. ونحن جميعا نعرف قصة العراق!!
تحالفات بعض القوى العربية الحرجة مع الغرب قوبلت بتحالفات حرجة من قبل قوى عربية مع اطراف اقليمية وجدت فيها منفذها الاقرب ووسيلة من وسائل ردع الولايات المتحدة حتى وان كان ثمن ذلك التحالف الحرج مكلفا وربما يعني استبدال او تحوير التيارات القومية الراديكالية باخرى دينية مذهبية.
خارطة الوطن العربي السياسية رسمت على هذا النحو ولكن متغيرات المنطقة اثبتت خطورة الاستمرار بنهج التحالفات الحرجة بل ان الاحتماء بهذا النهج لم ولن يعود مجانيا ابدا ولن تكون اثمانه مجرد المخاطرة بتبديل النهج الداخلي وتحمل زوابع وتوابع ذلك، الواقع ان تلك التحالفات باتت تطالب باثمان اغلى قد تصل إلى درجة الدخول في صراعات مع قوى صغرى او كبرى بل والدخول في صراعات مع الدول العربية نفسها.
انه ذات الموقف الذي وصلت له اوروبا الشرقية عشية الحرب العالمية الاولى حيث كانت المسرح الذي دفع ثمن شبكة التحالفات التي نسجتها القوى الاوروبية الكبرى.
الفرق بين الموقفين هو ان دول أوروبا الشرقية أجبرت على الدخول في تحالف معين في حين ان الدول العربية اختارت سياسة الخلاف الحرجة وكذا على نفسها طويلا بالاعتقاد ان تلك السياسة ممكن ان تنجيها.
مؤتمر انا بوليس ربما لن يستطيع ان يحقق كثيرا من سقف التمنيات المرسومة ولكن مشاورات الدول العربية التي سبقت المؤتمر حققت نجاحا نسبيا، نجاحا ليس في خروج العرب بقرار حيال مسيرة السلام في الشرق الاوسط ولكنه نجاح في ان العرب ممكن ان يتشاوروا بعملية وان تحقق مشاوراتهم نتائج ملموسة.
والاهم هو ان العرب ممكن ان يتشاوروا متغاضين عن تلك التحالفات الحرجة التي ربطوا أنفسهم بها وسوريا قدمت هذا الدرس ولو كان باستحياء الا انها مع ذلك ذهبت إلى انابوليس حتى وهي تعرف ان هذا المؤتمر لن يكون الا كما سبقه وان سوريا لا يمكن ان تقبل بالدخول في مفاوضات سلام مع اسرائيل بصيغة انابوليس ولكن مع هذا شاركت في المؤتمر لكي تقدم رسالة إلى الشركاء العرب بأنها لن تغرد خارج السرب العربي.
وان هذا السرب سيظل خيارها الأفضل وبالتالي على القوى العربية ان لا تتعامل مع سوريا مثلما تعاملت سابقا مع العراق او بمعنى آخر انها لن تضع نفسها في موقف العراق.
وبالتالي عنوان الاستراتيجية العربية الذي اشرنا إليه، صار ضرورة ملحة كما صار لزاما على العرب ان يسألوا انفسهم عن حدود التحالفات التي يرتبطون بها وعن استراتيجية موحدة تربطهم جميعا بالقوى الكبرى وفق اشتراطات ومساومات متقابلة تضمن المصالح العربية. الاستراتيجية العربية يجب ان تضع تساؤلات، جدية عن إبعاد المشاكل والقضايا العربية التاريخية وتلك الازمات والقضايا القائمة فعلا وتلك المتوقعة.
كيف سيتصرف العرب حيال النهج الأميركي في المنطقة؟ كيف سيتصرفون اذا ما اختارت ادارة بوش ان تنهي عهدها بصراع مع قوى اقليمية؟ كيف ستحل الدول العربية قضية العراق التي لن تكون مجرد قضية بلد عربي تم غزوه وتحطيمه انها في الحقيقة قضية انهيار واحدة من اهم مرتكزات الدفاع الاستراتيجي العربي خاصة وان القوس الغربي المحيط بالعراق ليس كافيا لصد ضغط الشرق المتحفز والغرب المهدد..
وايضا كيف ستتصرف الدول العربية حيال قضية لبنان والتي هي البركان الذي لن تنجو من حممه ابعد نقاط الشرق الاوسط اوكثرها تحصننا...واذا كانت تلك اهم اشكاليات الاستراتيجية العربية الا ان اخطرها هو تلك التحالفات الحرجة التي يجب ان تكسر فورا قبل اي محاولة لبناء طرق امن تسير عليها الدول العربية لتخرج من مازقها وتحدياتها.
كاتبة عراقية