منذ بدء الحديث عن «صراع الحضارات» والعالم يشهد موجة من خطابات الاعتذار ورسائل الغفران المقدمة إلى طيف واسع من سكان العالم. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو، ما الذي يعطي رسائل الاعتذار تلك الصدقية الكافية لكي يتلقفها المتلقي بكل طيب خاطر؟
فقد أثار الاعتذار الذي تقدم به طوني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق حول دور بريطانيا في تجارة العبيد عبر الأطلسي، جدلا واسعا في بريطانيا لما اعتبره البعض تبريرا لما قامت به انكلترا في فترة تاريخية من نموها الاستعماري، بل في تبوأها أصلا هذه المكانة المهمة في العالم.
خسر اعتذار بلير قوته وقابليته للقبول من قبل المتلقي بمجرد إشارته إلى إن ما جرى إنما كان عملا قانونيا في زمانه، وهو ما اعتبره البعض دفاعا مقيتا عن جرائم الاستعمار وموقفا استعلائيا يقيم القانون البريطاني مرجعا أعلى على غيره من الشرائع.
فالاعتذار ليس مجرد كلام لإثارة الشفقة، بل عمل أخلاقي مبني على فهم إنساني واضح لمعنى الصح والخطأ. ويرى البعض أن ما يزيده رونقا تميز المعتذر بحساسية مفرطة لما سببه من مآسي واستعدادا لقبول حكم الذين أساء إليهم بما في ذلك استعادة الحقوق والتعويض عما جرى.
وبناء على هذا المنطق، يكون هناك بعد أنساني وأخلاقي لمطالبات الدول الاستعمارية بتحمل المسؤولية التاريخية لما حدث للقارة الإفريقية جراء العبودية والاستعمار، بما في ذلك إلغاء الديون المترتبة عليها وغيرها من الإجراءات التعويضية.
فالمطلوب ترميم الماضي والبناء لعلاقات أفضل في المستقبل. والواقع يشير إلى أنه في كثير من الأحيان ليس ثمة من تعويض للأذى الذي لحق بالسكان على يد الاستعمار والمستعمرين، من جرائم وسرقة أراض وتهميش وتفتيت وحتى فصل لأولاد عن أمهاتهم.
ولدوافع الاعتذار وتوقيته أهمية كبيرة، واليوم قد يكون لدى البعض منا علامات استفهام حول اعتذار 300 عالم ورجل دين مسيحي عما جرى في الحروب الصليبية وتجاوزات الحرب على الإرهاب.
حيث وصفت رسالة الاعتذار بأنها لا تقل أهمية عما يسعى إليه المسؤولون في مؤتمر «أنابوليس للسلام»، لكن ما تبشرنا به الرسالة لجهة «محبة الأعداء كالنفس» لا يتلاءم كثيرا مع الوقائع على الأرض، إلا إذا كان وراء ذلك تحويل الاعتذار إلى طقس لإراحة الضمير في الوقت الذي تمضي فيه مخططات تدمير آمال شعب فلسطين في أرضه ووطنه، ونحن هنا طبعا لا نريد أن نحمل الرسالة أبعادا أكثر مما هي عليه كمحاولة صادقة للتعبير عن الأسى.
وما يفترض الوقوف ضده هو تفرقة العباد إلى مجتمعات متباعدة سلفا في الكثير من رسائل الاعتذار، بحيث يفقد أعضاء المجتمع فرديتهم وتمايزهم وتضارب أفكارهم ومصالحهم.
فعندما تعتذر الكنيسة الكاثوليكية عن الحروب الصليبية فلأنها لعبت دورا في عملية التعبئة الدينية بغزو أراضي مجتمعات أخرى، وهي بذلك كانت مخطئة بحق تلك المجتمعات بقدر ما كونها مخطئة تجاه الذين ساهمت في إرسالهم إلى أرض الوغى. وماذا يعني فصل الحروب عن مسبباتها وجعلها مجرد صراعات الدينية في السماوات أو على جبل اوليمبس؟
فالحروب تجري على الأرض وبين المجتمعات المختلفة وابقاؤها في الجانب الديني فقط يفقدنا القدرة على تمييز أسباب حروب أخرى حصلت في العالم وداخل الحضارات نفسها.
وكأن هذه الحروب التي ذهب ضحيتها الملايين من البشر في أوروبا مثلا، ليست كافية لإقناعنا بأن الصراع له أسبابه الاقتصادية والسياسية وصراع المصالح والنفوذ والهيمنة على الموارد والأسواق كما تعلمنا في كتب التاريخ، وأن استغلال البشر وعبوديتهم جزء لا يتجزأ من استغلال موارد الإنتاج كما تعلمنا في صفوف الجغرافيا.
والمؤسف ان نرى تردادا لأفكار صراع الحضارات على صفحات جرائدنا ونسمعها من أفواه منظرينا، وكأن المقصود أن تبدأ شعوب العالم في البحث عما يفرقها بدل أن تبحث فيما يقربها.
والملاحظ أنه في الوقت الذي تتوالي فيه الاعتذارات يشهد العالم تراجعا في الالتزام بشرعية القوانين الدولية، والخوف بالتالي ان تتبخر هذه الاعتذارات في الهواء ويزداد التباعد ما بين القول والفعل.
فالاعتذار كتعبير يجب ان ينطلق من دوافع داخلية صافية وواضحة لناحية الدوافع والتوجه، وبهذا فقط لا يتوقف الأمر عند مجرد التهدئة دون معالجة المسببات.