ربما كانت محض مصادفة تاريخية لولا أن التاريخ يقترح علينا أن المصادفات في السياسة وفي الشرق الأوسط خصوصاً قلما تأتي من باب المصادفات.
فغداة حرب تحرير الكويت في يناير من العام 1991، دشنت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق لطرد قواته من الكويت ومن ثم حصاره، عملية السلام التي انطلقت في مدريد في أكتوبر من نفس العام.
لقد كان الوقت وقت الاختراقات الكبرى: فمن تجميد ضمانات القروض البالغة 10 مليارات دولار لإسرائيل التي أقدمت عليها إدارة جورج بوش الأب لدفع حكومة اسحق شامير إلى المشاركة في مؤتمر سلام مع العرب، إلى قبول سوريا المشاركة في مؤتمر السلام إلى جلوس وزير الخارجية الأميركي وقتذاك جيمس بيكر مع ممثلين لمنظمة التحرير الفلسطينية عينهما الراحل ياسر عرفات هما الراحل فيصل الحسيني وحنان عشراوي.
لقد كانت إدارة جورج بوش الأب في سنتها الأخيرة قبل الانتخابات عام 1992، وقتها قيلت نفس المبررات لتفسير اندفاع إدارة جورج بوش لعقد مؤتمر سلام دولي بين العرب والإسرائيليين وإظهار قليل من الحزم حيال الإسرائيليين لدفعهم للمشاركة في المؤتمر.
وقيلت الأسباب نفسها أيضا بالنسبة للوعود الأميركية التي أعطيت للعرب. لقد كانوا كرماء وقتذاك: رسالة ضمانات لمنظمة التحرير الفلسطينية سلمت لياسر عرفات وظل يلوح بها من وقت لآخر. أما كلمة السر في ذلك كله فقد كانت أن المؤتمر سيعقد على قاعدة القرارين 242 و338 ومبدأ الأرض مقابل السلام.
لقد كان اختراقا تاريخيا حقا ولن يكون من المنطق التهوين من شأنه، فلم يمض عامان على مؤتمر مدريد إلا وتحقق اختراق تاريخي آخر هو اتفاق «أوسلو«عام 1993 أعقبه توقيع الاتفاق في حديقة البيت الأبيض عام 1994 ودخل الراحل عرفات ارض فلسطين. وفي 1994 وقع الأردن وإسرائيل اتفاق سلام أيضا بينهما في «وادي عربة» وبقي الاتفاق معلقا مع سوريا ولبنان.
هل سنشهد الآن زخما لمؤتمر انابوليس مماثلا لذاك الذي أطلقه مؤتمر مدريد؟ الغاية هي نفسها لم تتغير: دولة فلسطينية وسلام لإسرائيل وفي غمرة المفاوضات الثنائية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، تم تحديد عام 2005 موعدا لقيام الدولة الفلسطينية.
ومن ضرب ذلك الموعد هم الإسرائيليون وليس الفلسطينيين. وبحساب ذلك الموعد المضروب فإن الدولة الفلسطينية تأخرت ثلاثة أعوام حسب الموعد الجديد الذي توصل إليه مؤتمر انابوليس.
أما المصادفة التاريخية فإنها تجعل من العراق كلمة السر. لقد احتل الأميركيون العراق هذه المرة بدلا من طرد قواته من بلد آخر مثلما كان الأمر عام 1991. وبهذا المقياس فإن المبادرة الأميركية حيال الفلسطينيين والإسرائيليين تأخرت أربعة أعوام ويبدو المأزق الأميركي في العراق دافعا قويا لها.
احد أهم ثمار المأزق الأميركي في العراق هو التهديد الذي باتت إيران تمثله بالنسبة للولايات المتحدة . الغاية هنا واضحة ، فالحاجة باتت ماسة لجبهة تقف في وجه إيران. أما الوسيلة فهي من جديد العودة للملف الأهم والأقدم بالنسبة للعرب: فلسطين.
وفي كل الأحوال لا يملك الأميركيون إلا أن يقدموا التعهدات ويدفعوا الإسرائيليين لإعطاء تعهدات لا أكثر، ويتركوا الخطوات العملية للفرقاء وهنا تكمن اخطر ثمار هذه اللعبة المضنية. فعلى هذا النحو يوالي الإسرائيليون فرض مفاهيمهم لا لتعهداتهم فحسب بل للسلام نفسه. والمنطق الإسرائيلي واضح منذ ذلك الحين وحتى اليوم: «ادفعوا الثمن واقبضوا البضاعة فيما بعد».
على هذا يكرر الإسرائيليون دعواتهم للعرب بإقامة علاقات طبيعية كثمن مسبق لأي مفاوضات وليس لأي اتفاق. الفارق كبير جدا بين بدء مفاوضات وبين أن يكون الاعتراف ثمنا أو مقابلا لاتفاق يقضي بانسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة.
الأميركيون يعرفون هذا جيدا ومعها تتحول المفاوضات والاتصالات الدبلوماسية والمحادثات إلى مسار خطر ومضن من الاستنزاف المتواصل للفلسطينيين بحيث لا يعود أمامهم إلا تقديم التنازلات المسبقة مقابل خطوات لاحقة سيحدد الإسرائيليون حجمها ونوعها وتفسيرها أيضا.
فمنذ «أوسلو«لم تكن الالتزامات الفلسطينية لتعني أكثر من التحكم في مسار الحركة الفلسطينية التاريخية من اجل الاستقلال. أما الغاية الإسرائيلية القصوى فهي منع نمو انوية الدولة الفلسطينية نفسها، إما بالحرب المباشرة مثلما جرى في اجتياح جنين 2002 أو بإدامة حالة الانقسام والاحتراب الأهلي الفلسطيني وتغذيته باستمرار.
فاجتياح جنين عام 2002، جاء ليحد من تنامي سلطة فلسطينية يشكل وجودها وتناميها في المطاف النهائي نموا لدولة فلسطينية مستقبلية وقد نجحوا في ذلك إلى حد بعيد. أما تغذية الاحتراب الأهلي فقد تم على مرحلتين: إضعاف السلطة عبر ضربها المستمر.
وبعد انجاز المهمة استداروا إلى (حماس) وحشروها في الزاوية عبر استهداف قادتها ودفعها إلى التخلي عن العمل العسكري ضد إسرائيل. وعندما استوعبت حماس الرسالة الإسرائيلية، أرادت نقل التحدي إلى الميدان السياسي ولقد كانوا مصيبين في هذا التوجه لولا أن الخطأ كان في افتقادهم إلى الأفق النهائي الذي يجمعهم مع الفرقاء الآخرين في الساحة الفلسطينية وتحديدا مع (فتح).
يتبين هذا في وصول الوضع إلى حال الاحتراب والصدام المباشر مما أفضى بالفلسطينيين إلى أن يجدوا أنفسهم في لحظة ضعف تاريخي غير مسبوق في نضالهم الطويل.
ربما أن لحظة الضعف الفلسطيني هذه هي اخطر ما في الوضع الذي ينتظر ترتيبه تحقيقا لهدف الوصول إلى دولة فلسطينية بنهاية 2008 مثلما انتهى إليه مؤتمر انابوليس. انه السيناريو نفسه الذي واجهه الراحل ياسر عرفات لأن الاتفاقات كانت تفرض التزامات متبادلة.
لقد تحدى قادة حماس سلطة عرفات على النحو المعروف عبر استمرار العمليات الاستشهادية دون اكتراث للتبعات وهم إذا ما كرروا نفس الخطأ اليوم مع أبومازن فإنهم سيدفعون الأوضاع نحو التكرار بنفس الذرائع والمنطق: اجتياح أو اجتياحات إسرائيلية بحجة الدفاع عن النفس من صورايخ القسام أو العمليات الاستشهادية بما لا يجعل لدى ابومازن أي عنصر قوة سوى الالتزامات والتعهدات المعلنة والمحافظة على المطالب الفلسطينية.
سيكونون مخطئين من جديد إذا اعتبروا ابومازن خصما أو إذا اعتبروا أن قوتهم ليست قوة لابومازن في الحساب الأخير.
من وجهة تاريخية محض، فإن المطلوب فلسطينيا اليوم هو تقوية الجبهة الفلسطينية إلى أقصى الحدود لا إضعافها عبر صراع الرؤى والبرامج، لأن البرنامج الوحيد المطروح فلسطينيا هو تقوية الوضع الفلسطيني عبر وحدة تاريخية تعيد شيئا من التوازن أمام إسرائيل.
وإذا كانوا قد ابدوا استعدادا لعقد هدنة مع إسرائيليين لمدة عشر سنوات فإن المسؤولية التاريخية او المنطق يقترح أن ابومازن وأشقاءه الفلسطينيين يستحقون نصف هذه المدة من الهدنة على الأقل.
كاتب بحريني
