في رسالته التاريخية إلى الرئيس الأميركي الراحل جون كيندي في أغسطس عام 61 ردا على رسالة بعثها كيندي في مايو من العام نفسه يعرض فيها التوسط لإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين إما بالعودة أو بالتعويض، قام الرئيس العربي الراحل جمال عبد الناصر بأبلغ مرافعة عن القضية الفلسطينية كمحامٍ بارع لقضية عادلة لإيصال «الصورة الحقيقية» إلى صانع القرار الأميركي بموضوعية وواقعية وبلاغة عربية.
ووصف عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة في رسالته الشهيرة لكيندي وعد الوزير البريطاني بلفور للزعيم الصهيوني وايزمان بدقة بقوله «لقد أعطى من لا يملك وعدا لمن لا يستحق ثم استطاع الاثنان ـ من لا يملك ومن لا يستحق ـ بالقوة والخديعة أن يسلبا صاحب الحق الشرعي حقه فيما يملكه وفيما يستحقه.
تلك هى الصورة الحقيقية لوعد بلفور الذي قطعته بريطانيا على نفسها وأعطت فيه من أرض لا تملكها، وإنما يملكها الشعب العربي الفلسطيني، عهدا بإقامة وطن يهودي في فلسطين».
كان هذا بالأمس يوم كان للأمة العربية بتأثير المد القومي العربي وبقوة الوحدة المصرية السورية وبقامة زعامات تعبر عن إرادة شعوبها صورة أوضح ووزنا أكبر وقيمة أغلى وشجاعة أقوى مما أصبحت عليه اليوم بسبب تقسيمها بين معتدلين ومتطرفين وقبولها باللقاء مع عدوها بينما ترفض اللقاء مع أشقائها ولو لحل خلافاتها!
اليوم، وبحضور وزراء خارجية 17 دولة عربية ورئيس فلسطيني في حفل اليوم الواحد في مدينة أنابوليس الأميركية، وقف الرئيس الأميركي جورج بوش يعلن وعدا جديدا بعد أن تحقق بالفعل وعد بلفور بأسرلة معظم فلسطين أكثر خطورة من وعد بلفور، بتهويد أربع أخماس فلسطين، قائلا إنه يتعهد «بأمن دولة إسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي.
وقيام دولة بجوارها لتكون وطنا قوميا للشعب الفلسطيني.. ولم يرتفع صوت عربي واحد من بين الحضور ليعترض بقوة على هذا الطرح العنصري على حساب عرب فلسطين 48 المسلمين والمسيحيين وعلى حساب حقوق اللاجئين .!
إن «وعد بوش» الذي هو المرحلة الثانية من «وعد بلفور» هو في أحسن الأحوال هو وعد أميركي بإقرار مطلب إسرائيلي في نهاية المفاوضات اشترطه أولمرت ولم يقبله حتى الآن الرئيس عباس في الجانب الفلسطيني، وفى أوسط الأحوال يمكن أن يبقى عرب فلسطين 48 من المسلمين والمسيحيين كأقلية بمواطنة إسرائيلية من الدرجة الثانية في ظل يهودية الدولة.
وفى أسوأ الأحوال هو محاولة لفرض تفريغ «الدولة اليهودية» الدينية القومية من غير اليهود ديانة و قومية في ظل هذه الصيغة الثنائية للدولة الصهيونية الغاصبة.. بينما لا فلسطيني ولا عربي ولا مسلم أو مسيحي حر يمكن أن يقبل بالتنازل عن أرض فلسطين لتكون وطنا قوميا لليهود .
لقد تغير الخطاب السياسي الأميركي الموجه للعرب بما يبدو إملاءً أو استخفافا، كما تغير الخطاب السياسي الإسرائيلي الموجه للفلسطينيين بما يبدو فرضا للأمر الواقع وللعرب بما يبدو إعطاء للتعليمات.
كما تغيرت قوة الخطاب العربي في الرد على ما يستهدف حقوقهم المشروعة، والذي تغير في الواقع هو الوزن العربي وليس الضغط الصهيوني الغربي، والذي تغير هو التآلف العربي وليس التحالف الصهيوني الغربي، والذي تغير هو تراجع الحماية الرسمية لمشروعية المقاومة العربية، قوة الضغط الفلسطينية الوحيدة على الاحتلال وليس تصاعد القوة الصهيونية الغربية!
فماذا ينتظر من يقبل عدوه ويفاوضه بينما يقاتل أو يخاصم شقيقه ويرفض محاورته، أو من يمثل نصف شعبه فقط بينما النصف الآخر من شعبه لا يقر ما يفعل، أو من لا يمثل شعبه لا شرعيا ولا دستوريا؟!..
وماذا تتوقع الدول العربية التي قبلت الذهاب إلى أنابوليس وهى ترى النتائج السلبية في المقدمات السلبية بالتصريحات الإسرائيلية التي تشترط وتشترط، و بالدعوة الأميركية التي تضحك على العرب بذكر المرجعيات التي طلبوها، بينما عمدت في الواقع إلى البدء بفرض مرجعية واحدة هي خارطة الطريق وليست مبادرة السلام العربية.؟!
وماذا سنجنى من المرحلة الأولى لخارطة الطريق سوى إحراق الورقة الضاغطة الوحيدة بأيدينا ؟!!