لإسرائيل ورقتان لدفع المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية لمرحلة ما بعد «أنابوليس» إلى طريق مسدود: ورقة للاستخدام في البداية والأخرى للاستخدام عند نهاية المطاف، وفي الحالتين تبقى إسرائيل مزودة بالدعم الأميركي المطلق، هذه هي خلاصة ما انتهى إليه مؤتمر أنابوليس.

الورقة الأولى هي «يهودية الدولة الإسرائيلية»، وخطورة هذه الورقة هي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت يشترط لبدء التفاوض مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود أبو مازن أن يعترف الجانب الفلسطيني أولاً بأن إسرائيل وطن خالص للأمة اليهودية.

والورقة الثانية هي انه حتى إذا وافقت إسرائيل على تدشين العملية التفاوضية ـ متنازلة عن شرط الاعتراف بالهوية اليهودية الرسمية ـ فإنها سوف تلجأ عند نهاية التفاوض بعد اتفاق الجانبين على قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى «فرملة» خريطة الطريق لتقول للسلطة الفلسطينية: نعم اتفقنا.. لكن الاتفاق لن يطبق إلا بعد أن تنجز سلطة أبو مازن بالتمام والكمال مهمة «تفكيك البنية الأساسية للإرهاب الفلسطيني» كما تنص خريطة الطريق ـ أي القضاء نهائياً على فصائل المقاومة الوطنية الفلسطينية وعلى الأخص فصيل حماس.

وهكذا فإنه إذا اعترفت السلطة الفلسطينية بيهودية إسرائيل فإنها تسقط تلقائياً حق العودة عن اللاجئين الفلسطينيين وحق الأقلية الفلسطينية المقيمة في إسرائيل، أما إذا وافقت سلطة أبو مازن على الشرط الثاني فإن معنى ذلك سيكون أن تعلن السلطة الحرب الشاملة على حماس والفصائل الأخرى.

هل هذان الشرطان الإسرائيليان مستحيلان؟

نعم.. ولهذا السبب بالضبط تتمسك بهما إسرائيل لمنع التفاوض من الوصول إلى محطة الدولة الفلسطينية ذات الاستقلال والسيادة وليس دولة زائفة خاضعة للسيادة الإسرائيلية.

لقد ظن بعض الناس ـ أو قرروا أن يظنوا ـ أن الولايات المتحدة أتت بجديد عندما دعت إلى عقد مؤتمر أنابوليس بترتيب ذاتي منها وبرعايتها وتحت إشرافها، لكن جاء خطاب الرئيس بوش الافتتاحي وكأن كاتب هذا الخطاب هو إيهود أولمرت.

لقد أكد الرئيس الأميركي على يهودية إسرائيل حيث أعلن أن الولايات المتحدة ستحافظ على التزامها بأمن إسرائيل كدولة يهودية ووطن للشعب اليهودي»، وتأسيساً على هذا الإعلان أعلن بوش أيضاً أن الغرض من مؤتمر أنابوليس هو إطلاق عملية تفاوضية بين إسرائيل والفلسطينيين. وإذن نتساءل:

أين «المبادرة العربية» التي تقوم على تسوية شاملة بين إسرائيل والعرب أجمعين والتي أعلن المسؤولون الأميركيون رسمياً بأنها ستكون إحدى مرجعيات المؤتمر؟

وأين موقع قضية مرتفعات الجولان السورية من المؤتمر بعد أن وعد رجال بوش بأنها ستكون على جدول أعمال المؤتمر؟

وبناء على هذين التساؤلين نتساءل أيضاً، لماذا شارك ممثلو الدول العربية بما في ذلك سوريا في المؤتمر؟

«ما بعد أنابوليس» سيكون تدشين فصل جديد من المماطلة الإسرائيلية الأميركية، لهذا نفهم ما ورد في خطاب بوش بأن الهدف من العملية التفاوضية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية هو أن تتوصل إلى تسوية سلمية «قبل نهاية عام 2008» فالرئيس الأميركي لم يضع هذه الغاية الزمنية باعتبارها إلزاماً وإنما على أساس «بذل كل الجهود الممكنة».

ونستطيع أن نتصور السيناريو: عندما يحل موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر 2008 إيذاناً بالعد التنازلي لنهاية ولاية جورج بوش فحينئذ سوف يعلن الرئيس المغادر نقل «القضية» إلى خلفه.. لتبدأ اللعبة الأميركية الإسرائيلية مرة أخرى من المربع واحد!