غطت ضجة مؤتمر انابوليس على اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، الذي مر دون أن تنعكس فعالياته على مجرى الأحداث، باستثناء طقوس احتفالية وكلمات وبيانات تصدر كل عام بنصوصها مع تغييرات طفيفة، لدرجة أفرغت التضامن من جوهره، وجعلته مجرد حدث موسمي أشبه بذر الرماد في العيون أو إبراء للذمم أمام التاريخ.
ويرتبط اليوم العالمي مع الشعب الفلسطيني بنكبة تقسيم فلسطين بين شعب شرد بقوة السلاح والتواطؤ الغربي الأميركي من جهة وعصابات صهيونية تحولت إلى دولة احتلال استيطاني عنصري، تتغذى(مشيميا) على المعونات والنهب المنظم لثروات فلسطين التاريخية.
ومع دخول الصراع العربي الإسرائيلي عقده السادس، مازالت قضيته الرئيسية معقدة بدون حلول عادلة، حيث لا يجرؤ أحد على تخطي الخطوط الحمراء التي رسمها (الكفيل الدولي) للاحتلال، ويكتفي المجتمع الدولي دائما إما بقرارات غير ملزمة، أو بحلول مسكنة لا تستأصل الألم من منبعه.
وهذا يفسر إصرار الإدارة الأميركية على تذكير الحضور الدولي والعربي في مؤتمر انابوليس بأنها ملتزمة التزاما لا رجعة فيه بأمن إسرائيل وكونها دولة ووطناً للشعب اليهودي، في إعادة إنتاج وصياغة لمقولة رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت بأن شرط تحقيق السلام وقيام دولة فلسطينية هو اعتراف الفلسطينيين بيهودية إسرائيل، أي التنازل المطلق وللأبد عن حق عودة أكثر من أربعة ملايين لاجئ في العودة إلى وطنهم ومنازلهم التي مازالت مفاتيحها يتوارثها الأبناء والأحفاد.
وبصرف النظر عن اختلاف التقييمات لنتائج مؤتمر انابوليس، بين من يعتبرون حصاده مجرد وعود بلا ضمانات على الأرض لتحقيقها، ومن يضخمون انجازه واعتباره فتحا جديدا واستئنافا لمسيرة التسوية المعطلة منذ سنوات، فإن المؤكد أن المستفيد الوحيد من المؤتمر هو الإدارة الأميركية التي جاهدت لان تترك إرثا سياسيا ايجابيا يعوض خسائرها في المنطقة والعالم بسبب مغامرات المحافظين الجدد، الذين تسببوا في تشويه صورة أميركا وتعميق مشاعر العداء لها عبر العالم.
والمطلوب الآن، بعد أن تهدأ ضجة انابوليس، أن تتواصل الجهود والمبادرات للعودة إلى مسار العمل الواقعي وإحياء الثوابت والمرجعيات، واستثمار مبادرات التضامن الدولي الرسمي والشعبي مع الشعب الفلسطيني، وصياغة منهج جديد يحول دون السقوط في فخ الموسمية والحرص على إيجاد سياق وإطار مؤسسي يتيح استمرار تراكم الخبرات والأعمال وبالتالي تطويرها، باتجاه ترسيخ الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وحق عودة اللاجئين إلى ديارهم المغتصبة.
والخطوة الأولى، باتجاه توظيف التضامن العربي والدولي لصالح حق العودة وإقامة الدولة المستقلة، هي استعادة وحدة الصف ونبذ الفرقة والتنازع بين الفصائل الفلسطينية، فمن المعروف أن المستفيد من استمرار هذه الحالة هو إسرائيل، التي تستخدم الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني، لإفشال المبادرات الدولية لتضامن الفلسطينيين.
ويصب في مجرى تعظيم الاستفادة من مبادرات التضامن مع الشعب الفلسطيني، الاستفادة من دروس التاريخ القريب، والاعتبار من أساليب العدو في إدارة خلافات مكوناته السياسية والعسكرية، فهناك تعايش مستمر بين دعاة التسوية ورافضيها، وبين غلاة الصهاينة المتمسكين بخطط (الترانسفير) لترحيل عرب 48، وطرد البقية الباقية. والحاصل انه لم يتم طرد الصهيوني ليبرمان من الحكومة لرفضه تفكيك المستوطنات، ولم يتهم بأنه إرهابي، خلافا لما يجري بين الفصائل الفلسطينية الآن.
والشاهد، أن وحدة الصف توفر دائما المناخ الايجابي لإنجاح النضال الفلسطيني على كل الصعد، وبالتالي فإن أي حديث عن أمل في تحقيق السلام في ظل أجواء التشرذم يبقى مجرد أمل واهٍ أو حلم من أحلام اليقظة، وقد ينقلب إلى كابوس مزعج.
والخلاصة، أن العرب ـ من خلال بيتهم (الجامعة العربية) مطالبون الآن ببذل جهد منسق وفق برنامج عمل ملزم لإعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية إلى سابق عهدها، وتحصينها ضد أي اختراق، وتطويق الخلافات، بعد أن تعالج آثار أحداث غزة المأساوية، وكي جراحها حتى لا تعاود النزف، وإلا فإن مطالبتنا بحق العودة وتحرير القدس سيكون صرخة في وادٍ.
