ربما كانت إحدى أهم العقبات أمام إيجاد حل دائم وعادل لقضية الشرق الأوسط غياب وسيط محايد و نزيه يقف على بعد واحد من الأطراف المتصارعة، بعيدا عن قناعاته الشخصية والسياسية والدينية.
لذلك فإن فرص نجاح المفاوضات التي أطلقها اجتماع أنابوليس تعتمد، بالإضافة إلى رغبة الأطراف المتصارعة الحقيقية في السلام،على اتخاذ الولايات المتحدة مواقف تساعد على تحقيق ذلك.
ولعل نظرة بسيطة إلى دور بريطانيا ورئيس وزرائها السابق توني بلير في حل الصراع في أيرلندا الشمالية مؤخرا تقدم مثالا حيا للساسة الأميركيين عن أهمية لعب دور مماثل في الصراع العربي-الإسرائيلي.
فمنذ أشهر قليلة، وقف القس البروتستانتي المتشدد إيان بايسلي جنبا إلى جنب مع جيري آدامز، رئيس منظمة شين فين الكاثوليكية المتشددة، ليعلنا اتفاقهما على تقاسم السلطة في حكومة أيرلندا الشمالية.
وكان واضحا خلال مراسم التوقيع على الاتفاقية أن الاثنين لم يكونا قادرين حتى على تبادل النظرات الودية ولم يرغبا في المصافحة. لكنهما اتفقا على إنهاء الحرب القديمة بين الجانبين البروتستانتي والكاثوليكي التي أودت بحياة الآلاف عبر قرون عديدة.
وكان الشخص الذي تمكن من جمع الاثنين معا هو توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا السابق، الذي لعب دور الوسيط النزيه رغم مواقفه السياسية المتشددة الداعمة للجانب البروتستانتي.
وبفضل نهاية الصراع المسلح في أيرلندا الشمالية منذ 1998 عندما انتهت الجولة الأولى من المفاوضات، صعد الاقتصاد الأيرلندي الشمالي من مرحلة بائسة جدا إلى واحد من أفضل اقتصادات أوروبا.
ولم يكن أي من هذا ليحدث لولا تدخل بلير الإيجابي والنزيه في الصراع، ولذلك ربما كان السلام في أيرلندا الشمالية هو الإرث الذي سيسجله التاريخ لبلير رغم إخفاقاته الكثيرة الأخرى، خاصة فيما يخص الحرب في العراق.
هذا هو النموذج الذي ربما يتوجب على الرئيس بوش وإدارته أن يتطلعوا إليه، إذا كانت هذه الإدارة تريد فعلا أن تترك وراءها إرثا إيجابيا للتاريخ.
فقد آن الأوان لتلعب الولايات المتحدة دور الوسيط النزيه، بعيدا عن القناعات السياسية والشخصية لأركان هذه الإدارة. وإذا كانت هذه الإدارة صديقة حقيقية لإسرائيل والفلسطينيين وبعض دول الشرق الأوسط كما تدعي، فيجب عليها أن تسعى لتحقيق السلام لشعوب المنطقة ليزدهر الاقتصاد وتنعم الشعوب بالاستقرار والسلام.
لقد قدمت الدول العربية فرصة حقيقية للسلام من خلال تبني المبادرة العربية والمشاركة في اجتماع أنابوليس، وجاء دور إسرائيل لتعيد الحقوق العربية إلى أصحابها حتى يتحقق السلام في المنطقة، ودور الوسيط النزيه هو اتخاذ أي إجراء يسهل الوصول إلى الحل العادل والدائم في المنطقة.
