عندما نتحدث عن التربية الوطنية لأجيالنا الشابة، فنحن لا نشكك في ولاء أحد، أو في انتماء هؤلاء لوطنهم، ونعلم أنهم يحملون مشاعر جياشة ومتدفقة لوطنهم، ذلك أمر طبيعي، فحب الوطن إيمان يولد مع الإنسان بفطرته السليمة النقية، ومثل حب الوطن هنالك مشاعر فطرية مختلفة تولد فينا أو معنا، وتبقى بعد ذلك مهمة تنميتها أو إهمالها، صقلها أو تشويهها، تلك مهمة التربية على جميع مستوياتها ومن مختلف مصادرها.

ذلك هو بالتحديد ما قصدته في مقال الأمس، المسألة ليست مزايدة على، ولا تشكيكاً في، كما قد يعتقد البعض، نحن لسنا في ساحة حرب نرفع البيارق والأعلام في وجه بعضنا بعضاً، نحن إزاء جيل يفقد هويته تدريجياً، وينسحب من شؤون وطنه بفعل عوامل نحت وتعرية تتعرض لها مدركاته وذهنيته، وهنالك مسؤولون ومسؤولية، هناك مسؤولون عما يحدث لهذا الجيل، وهناك مسؤولية إعادة ترتيب الأوراق في ذهنية هذه الأجيال تجاه علاقتهم بوطنهم!

في المسؤولين تأتي الأسرة باعتبارها المدرسة الما قبل الحضانة والروضة والابتدائية، وتبقى الأم هي المعلم الأول المثالي والجدير بهذه المهمة، بعد ذلك، يصطف المسؤولون على نفس المسافة من الطفل أو المراهق أو حتى حين يصير شاباً، يقف الإعلام، والمدرسة، والمناهج والمحيط الاجتماعي بكل مكوناته وتفاصيله، وتقف السياسة بمشاريعها وسعيها وخططها، والسؤال ماذا يفعل هؤلاء لتعزيز الوطنية وتربية المواطنة والانتماء في نفوس أجيال الشباب المتأرجح ما بين الحضارات والشعوب والخيارات؟

برامج الغناء في التلفزيونات لا تفعل شيئاً أكثر من توجيههم إلى الفراغ واللاجدوى، وكل نوادي كرة القدم لن تكرس فيهم سوى ولاءات أكثر ضيقاً، فبدل الدولة تصير الإمارة بديلاً، وبدل الإمارة تصير القبيلة، وبدل القبيلة تكبر العائلة، وبدل العائلة يضمحل الولاء حتى ينتهي بالنادي والكرة وهلمّ جرّا، ولا يعودون يذكرون هذا الوطن إلا حين يستعد لمعركة فاصلة يخوضها المنتخب مع دولة صديقة، حينها يصيحون بالروح والدم نفديك يا وطن!

تتآكل الهوية في مجتمعات العمالة، ليس عندنا، ولكن في كل دول الخليج، خاصة في ظل عدم وجود برامج دعم وطني لمسألة الهوية والانتماء وتعزيزهما على امتداد الوقت، ذلك لا يقف في وجه الانفتاح والدخول سريعاً إلى غياهب العولمة، ذلك لا يعرقل مشاريع التجار ولا يقلل من أرباح أسواق الأسهم والعقارات.

ففي كل الدنيا هنالك أسواق وبورصات وعقارات ونواد تباع وتشترى من قبل أباطرة المال، لكن هناك مواطن يعرف بالضبط واجباته تجاه وطنه، وموقعه الحقيقي في هذا الوطن، وحقوقه كاملة، وكيف يحصل عليها، ويعرف على وجه الدقة ماذا يعني الوطن، وماذا تعني الوطنية، وما المطلوب منه كمواطن حقيقي وليس كمتلق لبرامج العبث التلفزيونية.

ayya-222@hotmail.com