لم يغب عن أذهان الخبراء الدوليين أثناء انعقاد قمة الرياض للدول المصدرة للنفط بأن الدولار تقاسم النجومية والبطولة مع أسعار البرميل في مناقشات قادة الدول.
والسبب الطبيعي الطارئ هو أن العملة الخضراء تبقى هي المعيار الأكثر مصداقية لتحديد أسعار الطاقة وأن هذه العملة تعاني اليوم من هبوط حاد في قيمتها بالمقارنة مع اليورو الذي وجد نفسه لأول مرة يوم الثلاثاء الماضي في تاريخه القصير يساوي دولارا و48 سنتاً إضافية، وهو مؤشر واضح على فداحة الموقف.
وهذا الوضع غير المسبوق فرض على الدول المنتجة للنفط معالجة مشكلة انحدار القيمة الحقيقية لإنتاجها في الأسواق العالمية واضطر القادة إلى توقع برامج بديلة أعدها الخبراء في دولهم وفي منظمتهم، وهذه البرامج تقترح حلين اثنين أو أحدهما:
الحل الأول تدعو إليه فنزويلا وهو تعويض الدولار بسلة من العملات كاليورو والجنيه الاسترليني والين والفرنك السويسري والدولار طبعا. والحل الثاني هو الاحتفاظ بالدولار كعملة لتقديم الفاتورة لتسعير النفط مع استخدام سلة للعملات لتحديد سعر البرميل.
ويقول أحد خبراء الطاقة إن من حق الدول المنتجة أن تختار العملة التي تبيع بها نفطها لأنها هي العملة ذاتها التي تستعملها لشراء حاجياتها الأخرى من الأسواق العالمية.
وهنا يرى أنصار سلة العملات أن الدولار كمحرك أساسي لمجال الطاقة سوف ينحدر إلى مستوى العملات الأخرى القوية لأن الدول المنتجة لا تقتصر وارداتها على الأسواق الأميركية بل هي تورد بضاعتها من الاتحاد الأوروبي والصين واليابان بدرجات متفاوتة ولكن متقاربة.
وإذا كانت المملكة العربية السعودية صاحبة القسط الأكبر في تصدير النفط داخل المنظمة ترى بأن هبوط أو ارتفاع قيمة الدولار لا يغير كثيراً من مداخيل النفط بسبب اعتماد تسعيره على الدولار الثابت وليس على قيمة العملة الخضراء في بورصات الصرف، فان إيران تتقاضى نصف تكاليف تصدير نفطها بعملات أخرى كاليورو والين.
بينما اختارت فنزويلا التعامل باليورو فقط رغم أن صادراتها الأهم من النفط هي مع الولايات المتحدة. ويرى الخبير الفرنسي (جورج كيوك) بأن رئيس فنزويلا يتصرف هنا كسياسي وليس كرجل اقتصاد لأسباب لا تخفى في الظرف الدولي الراهن.
وإذا ابتعدنا عن العلاقة الحميمة بين النفط والدولار فإننا نجد بأن بعض البلدان الخليجية أصبحت تواجه مشكلات أخرى ذات طابع اجتماعي حين تنخفض القدرة الشرائية للعمالة الآسيوية فيها مع هبوط قيمة الدولار بسبب ارتباط العملات المحلية الخليجية بقيمة الدولار منذ عقود، مع العلم بأن هذه العمالة تحول إلى بلدانها الأصلية سنويا مبلغا ضخما يساوي عشرين مليار دولار حسب تقرير البنك الدولي .
(وهنا يذكر المحللون ببعض المشاكل التي حصلت في الأشهر الماضية ببعض ورشات البناء بين العمال الآسيويين والمقاولين الذين يشغلونهم في إمارة دبي والتي عالجتها السلطات بحكمة وعدل وفي كنف القانون).
وقد يتساءل الخبراء العرب لماذا لا تعجل الدول التي يجمعها مجلس التعاون الخليجي باستصدار عملة موحدة كما جاء في أغلب قرارات قادتها في قممهم، وهم جميعا واعون بضرورة واستعجال إعلان عملة مشتركة تضيف مكسبا هاما الى مكاسب مجلس التعاون الذي يعتبر الأنموذج العربي الناجح إلى يوم الناس هذا؟
و بدأت علامات رمزية لانحدار الورقة الخضراء تشكل وجع رأس للخزينة الفيدرالية الأميركية، منها تخلص الصين واليابان ودول الكاريبي خلال شهر أكتوبر الماضي من جزء هام من رصيد بنوكها بالدولار وصل الى حد 14و5 مليارات دولار، ومنها رفض بعض الأسواق الهندية قبول الدولار مفضلة عليه الروبية خشية فقدان جزء من قيمة الدولار بعد مدة وجيزة.
فهل دخلت العملة الأميركية الأسطورية منطقة سماها رئيس الخزينة السابق (ألن غريسبان) منطقة المطبات الكبرى؟
ولا بد أن نشير في هذا الصدد إلى أن الخزينة الفيدرالية الأميركية اليوم لا ترى في هبوط الدولار معضلة قومية بل بالعكس فان المصرف المركزي الأوروبي سبق أن اتهم الولايات المتحدة بالعمل على تخفيض قيمة الدولار بالمقارنة مع اليورو لأسباب «ميكيافيلية».
أي أن الاقتصاد الأميركي يفضل بيع طائرات البوينج مثلا بالدولار الهابط لكي لا تتمكن طائرات ايرباص الأوروبية من مزاحمتها إذا هي باعت باليورو.
ويشكل هذا الخلاف حول اليورو والدولار شوكة موجعة في قدم العلاقات الأميركية الأوروبية وهو في الواقع خلاف سياسي يتجاوز قيمة العملات إلى مزاحمة معلنة بين عملاقين حليفين يحاول كل منهما احتلال مناطق نفوذ وأقاليم هيمنة في عالم جديد يتميز بالهشاشة والبحث عن المصير.
رئيس الأكاديمية الأوروبية للعلاقات الدولية بباريس