يمكن القول بأن إمدادات الكهرباء والوقود إلى غزة أصبحت مقلصة إلى ما دون مستوى الاحتياجات الإنسانية الأساسية، فبعد عام ونصف من قصف قوات الاحتلال لمحطة الطاقة الكهربائية المركزية في غزة مازالت الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ، في ظل إصرار سلطات الاحتلال رفض المبادرات الأوروبية لإعادة بناء وتشغيل محطة كهرباء غزة،وربطها مصيرها بالمواضيع ذات الجانب الأمني، والمتعلقة بـ «محاربة الإرهاب الفلسطيني».
ومنذ بداية الحصار على قطاع غزة قبل ثمانية شهور تقريباً انخفضت إمدادات القطاع من الكهرباء إلى نحو (193) ميغاواط فقط من أصل الحاجة المطلوبة والبالغة بحدود (240) ميغاواط التي يحتاجها قطاع غزة. حيث انعكس النقص في الطاقة الكهربائية بشكل مباشر على النقص في مياه الشرب التي يجري ضخها بواسطة الطاقة الكهربائية.
فقطاع المياه مستهلك كبير للطاقة الكهربائية في القطاع، حيث يحتاج إلى (25) ميغاواط. لسحب المياه الجوفية من (135) بئراً للمياه العذبة منتشرة في أرجاء القطاع، تمد الناس بالماء مهما كانت جودتها، كما أن المياه ترفع بقوة الطاقة الكهربائية وتُجمع في خزانات بيتية على كل الأسطح.
النتيجة: انقطاعات متكررة لإمدادات الكهرباء. عندما يتزامن قطع الكهرباء في منطقة معينة مع اليوم الذي تقوم فيه البلديات بتحويل المياه إليها، يُحرم الناس هناك من إمدادات المياه طوال ثلاثة إلى أربعة أيام. والأمر يسحب نفسه على أجهزة ومحطات تكرير المياه»، فحجرات التحكم ومضخات الصرف ومضخات آبار المياه تحتاج جميعها للكهرباء في تشغيلها».
وفي الوضع الحالي، لا تصل المياه يومياً إلى ما نسبته (15%) من سكان القطاع، فالمياه تتدفق لكل منطقة مرة كل يومين فقط. هذا إذا ما تذكرنا بأن شبكة المياه بحاجة أيضا إلى (150) ألف لتر من (الديزل/المازوت) في الشهر.
والجدير ذكره أن معابر قطاع غزة الخمسة تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، حيث تتحكم قوات الاحتلال في حركة الناس والبضائع، والمعابر هي : معبر كرم ابو سالم، ومعبر صوفا، ومعبر العودة عند بلدة رفح على الحدود الفلسطينية المصرية، ومعبر المنطار (كارني) الذي يعتبر المعبر التجاري الأساسي لقطاع غزة.
حيث يربط القطاع مع الضفة الغربية والعالم الخارجي ومع فلسطين المحتلة عام 1948، ويمثل المعبر المشار إليه شريان الحياة للمواطنين الفلسطينيين، وهناك معبر بيت حانون (ايريز) الذي يعتبر المعبر البوابة الرئيسية لعبور الأفراد من قطاع غزة للوصول إلى الضفة الغربية وفلسطين 1948.
وخلاصة القول، إن الوضع الداخلي الحياتي المعيشي والاقتصادي للفلسطينيين في الداخل، لا يحتمل أصلاً أي ضغوط إضافية مع تفاقم البطالة وانتشار الفاقة والعوز المدقع، كما تشير إلى ذلك التقارير الدولية التي تواترت في الوصول إلى الهيئات العالمية منذ خمسة أعوام على الأقل.
لكن أخطرها يتمثل في التقارير الأخيرة التي تؤشر على التردي المريع في حياة الناس المعيشية جراء إجراءات الاحتلال. فالمواطن الفلسطيني في الداخل والشتات، يعيش، في ظل همين كبيرين متلازمين: أولهما الهم الوطني، هم استعادة الحقوق الوطنية التي يلخصها البرنامج الوطني الفلسطيني في الخلاص من الاحتلال وممارسة الحق في تقرير المصير والاستقلال والعودة، وثانيهما الهم المعيشي، هم توفير المأكل والملبس والحياة اللائقة في مجتمع يجب أن يتمتع فيه الأفراد والجماعات بالحد الأدنى من حرية التعبير والرأي الآخر .
بعيداً عن هواجس الخوف من الحاضر القائم، ومن القادم المجهول. وفي حالات الأزمات والاختناق عبر الممرات السياسية شبه الإجبارية تحت ضغط القوة المعادية، وشيوع البلبلة واضطراب الرؤية بالنسبة للمشروع الوطني، وهي حالات تعيشها قوى وفئات واسعة من الشعب الفلسطيني، وعندما تتدهور الأوضاع الاقتصادية بشكل مريع، ويجد المواطن نفسه وعائلته على قارعة الطريق، في جحيم البطالة أو تحت خط الفقر، وهو حال نسبة غير قليلة من المواطنين في الأراضي الفلسطينية.
وفي حالات الاختناق السياسي الفلسطيني وتفكك عرى الوحدة الوطنية، في هذه الحالات تتراجع وتنخفض مستويات المواجهة الفلسطينية السياسية والدبلوماسية وحتى الانتفاضية لممارسات الاحتلال ولسياساته القائمة على تشديد الحصار على عموم الأراضي الفلسطينية وخصوصاً منها قطاع غزة.
كاتب فلسطيني - دمشق