قفز مطلب الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية إلى رأس سلم أولويات القادة الإسرائيليين حيث اعتبره رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت مطلبا لا تراجع عنه. وهذا المطلب يحمل في طياته مخاطر كبيرة بالنسبة للفلسطينيين سواء في الداخل أو الخارج.. ولعل يهودية دولة إسرائيل كانت ضمن وعد بلفور الذي نص على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين..
وعندما أعلنت دولة إسرائيل إثر قرار الأمم المتحدة واعترف بها أول من اعترف الرئيس الأميركي هاري ترومان قرأ ترومان نص الاعتراف بإسرائيل وشطب كلمة دولة لليهود وأبقى على إسرائيل.
كما ان بلفور أشار إلى وطن قومي لليهود في فلسطين وليس كل فلسطين كما أن ترومان الذي لم يعرف عنه تعاطفه مع اليهود وجدها فرصة كما قيل لوضع اليهود في دولة بعيدة وحل إشكالية المسألة اليهودية التي سادت الغرب منذ الثورة الفرنسية.
وعندما نهض الفلسطينيون بهويتهم الوطنية وثورتهم لاحقا تأسف ايبا إبان وزير خارجية إسرائيل لأن إسرائيل لم تطلق على نفسها اسم دولة فلسطينية لتتفادى بروز الهوية الفلسطينية، وكان يقول لو سمينا إسرائيل دولة فلسطينية لما استطاع الفلسطينيون محاربتنا بهويتهم.. عمليا كان إبان يريد الاستيلاء على الاسم والهوية وليس الأرض فقط. في اتفاقات أوسلو اعترفت منظمة التحرير بإسرائيل كدولة..
واعتبر هذا كافيا في حينه لكن التعقيدات اللاحقة أظهرت أن إسرائيل تريد الاعتراف بكونها دولة يهودية الطابع وهذا عمليا ينتقص من مواطنة الأقلية العربية، وتهدف إسرائيل من وراء ذلك إلى تحقيق مكاسب كبيرة لم تحلم بها من قبل ولعل أهمها أنها بذلك تستطيع إسقاط حق العودة للاجئين حتى ضمن ما يسمى بلم الشمل لأنها دولة يهودية الطابع ولا تقبل غير اليهود.
وكان تم الاتفاق في مفاوضات كامب ديفيد عام 2000 على عودة مئة ألف لاجئ فلسطيني من لبنان.. وتخشى إسرائيل من إعادة طرح هذا الموضوع ثانية وهي بالتالي تريد إسقاط حق العودة نهائيا وباعتراف فلسطيني بيهوديتها.
والخطر الثاني هو ان إسرائيل تطرح بين الحين والآخر اقتراح تبادل الأراضي مع الدولة الفلسطينية المرتقبة وتريد إعادة منطقة المثلث ووادي عارة وأم الفحم الصغيرة المساحة والمكتظة بحوالي 400 ألف فلسطيني وضمها إلى الضفة الغربية مقابل ضم الكتل الاستيطانية فعمليا تريد التخلص من هذا العدد الضخم من العرب ثم يمكن بعدها التخلص من الآخرين بوسائل أخرى لاحقاً .
طالما تمت الموافقة على التبادلية السكانية والجغرافية رسميا بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفي معرض تبريرها لذلك قالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني أن الاعتراف بيهودية إسرائيل يعتبر حلاً للمسألة الوطنية الفلسطينية بالنسبة لعرب إسرائيل حيث إنهم لن يتخذوا موقفاً عدائياً من دولة يهودية ديمقراطية.. وهذا الزعم يخفي احتمال التطهير العرقي لكل من يعارض هذه الدولة «الديمقراطية».
بل ان الاعتراف بيهودية إسرائيل هو سابقة دولية لأن لا أحد من الدول اعترف بذلك حتى الآن، فالدول تعترف بدول سياسية وليس دينية وإسرائيل تريد ان تسجل سابقة بالاعتراف بها من منظور ديني.
لكن الحقيقة أن إسرائيل دولة يهودية في جوانب كثيرة لكنها غير دينية في جوانب أخرى إذا ارتأت أن لها مصلحة في ذلك فهي تنفذ ما يمكن تسميته النموذج الأميركي أي دولة لكل مواطنيها أي قبول مهاجرين غير يهود من شتى الجنسيات والأديان باستثناء الفلسطينيين ثم العمل على تهويد المهاجرين لسد النقص في الأيدي العاملة والقوة البشرية الشابة في الجيش.
وقد استوعبت قرابة 900 ألف مهاجر من دول الاتحاد السوفييتي السابق خلال سنوات التسعينيات أغلبهم مسيحيون وبعضهم مسلمون ويجري تهويدهم بالتدريج وتعطى الأولوية للشبان الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي. وتدرس إسرائيل حالياً منح الجنسية لوالدي أي جندي يخدم في الجيش الإسرائيلي بمعنى آخر إغراء شبان في دول أخرى للتجند في الجيش الإسرائيلي بمنح أهاليهم الجنسية أيضاً.
وهذا النموذج أي الإغراء بالتجنيس يمارسه الأميركيون بكثافة لتجنيد أجانب ومهاجرين للحرب في العراق.
وثمة مجموعة من المفكرين الإسرائيليين طرحت منذ سنوات حتى الآن فكرة أمركة إسرائيل أي فتح باب الهجرة للكفاءات والشبان ثم تهويدهم لاحقاً على غرار النموذج الأميركي..
وهذا الاقتراح جاء بعد أن لاحظ الإسرائيليون جفاف منابع الهجرة إلى إسرائيل من الخارج وبقي المستودع الأكبر لليهود في الولايات المتحدة، لكن هجرة اليهود الأميركيين بكثافة يعني عملياً فقدان النفوذ اليهودي المهيمن على السياسة الأميركية وهذا أهم من هجرتهم إلى إسرائيل، لأن «أسرلة» أميركا أهم من أمركة إسرائيل.
إذاً.. المسألة اليهودية لم تجد لها حلا بإقامة إسرائيل لأنها فقيرة سكانيا والخطر الديمغرافي العربي يتهدد وجودها لأنه في فلسطين التاريخية حالياً يكاد يتساوى عدد العرب واليهود والاعتراف بإسرائيل دولة يهودية يعني عملياً تسجيلها كدولة لليهود فقط وتهديد الأقلية العربية التي زاد عددها عن مليون نسمة.
والتقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن العرب في فلسطين سيتحولون إلى أغلبية بعد عقدين أو أقل هذا إذا لم يعد اللاجئون إلى الدولة الفلسطينية المرتقبة أما إذا عادوا فذلك يعني أن اليهود سيتحولون إلى أقلية خلال سنوات قليلة.
صحيفة الحياة الجديدة ـ فلسطين