على مدار ثلاثة أيام متتالية أتيح لنا ان نعيش تجربة الحوار الحر داخل إطار رابطة العقلانيين العرب. وكان ذلك في فندق السفراء الواقع في قلب العاصمة الفرنسية خلف دار الأوبرا مباشرة. وقد شارك في الحوار الذي جرى بين 24. 26 من الشهر الجاري .
مجموعة من المثقفين العرب ليس أقلهم صادق جلال العظم أو عزيز العظمة أو عبدالمجيد الشرفي أو العفيف الأخضر أو جورج طرابيشي أو محمد عبد المطلب الهوني أو رجاء بن سلامة أو ناجية الوريمي بو عجيلة أو عبد الصمد الديالمي أو سيد القمني أو محمد الحداد أو عبد الرزاق عيد أو حسن بن عثمان أو دلال البزري أو لؤي حسين أو وائل سواح أو محمد علي الاتاسي الخ..
وكانت المناسبة هي تأسيس الرابطة بشكل رسمي وإطلاق موقعها الالكتروني، الأوان، بصيغته الجديدة والجميلة. وعلى هامش كل ذلك احتدم النقاش حول كل الموضوعات الساخنة التي تشغل الثقافة العربية حاليا كظاهرة الأصولية والاستبداد السياسي وصعود التيارات اللاعقلانية الهائجة والمتطرفة في شتى أنحاء العالم العربي الإسلامي منذ ثلاثين عاما أو يزيد.
وكان الرأي السائد هو انه قد آن الأوان للقيام برد فعل عقلاني ضد هذه التيارات اللاعقلانية التي شوهت صورة العرب والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. ينبغي وضع الأمور في نصابها الصحيح من خلال تشخيص الوضع العربي بشكل دقيق قبل وصف العلاج الشافي يوما ما.
وأعتقد أن المفكر السوري المعروف عزيز العظمة قد موضع الإشكالية ضمن إطارها الواسع لأنه تحدث عن خيانة المثقفين العرب لمهمتهم ورسالتهم المنوطة بهم عندما ركبوا الموجة الأصولية أو انبطحوا أمامها بكل تسرع وانتهازية ولا مسؤولية. وكان ذلك بعد اندلاع الثورة الإيرانية مباشرة.
وقال بان الحل لا يكون بممالأتهم أو التواطؤ معهم انسياقا وراء الشارع والغرائزية الشعبوية. وإنما يكون في بلورة تيار عقلاني عريض ومسؤول يعطي لكل ذي حق حقه: فللدين مجاله وللعقل مجاله ولا ينبغي تسييس الدين بعد الآن أكثر مما ينبغي.
وأما المفكر الليبي عبد المطلب الهوني فقد طرح إشكالية التنوير من بابها السوسيولوجي عندما نبه إلى الحقيقة التالية: وهي انه لا توجد عندنا في العالم العربي طبقة اجتماعية ديناميكية رائدة لكي تدعم مشروع التنوير وتشد من أزره.
ومعلوم انه لولا البورجوازية الفرنسية التي كانت تشكل طبقة صاعدة في القرن الثامن عشر لما نجح فكر فولتير وروسو وديدرو والموسوعيين ولما استطاع التغلب على التيار الأصولي أو الكنسي المسيحي الذي كان طاغيا آنذاك.
ومعلوم ان الطبقة الإقطاعية الارستقراطية هي التي كانت تدعم التيار الأصولي القديم الراسخ الجذور في أعماق الشعب الفرنسي وبقية الشعوب الأوروبية. هذا في حين ان الطبقة البورجوازية الوليدة هي التي كانت تحتضن التيار التنويري أو الفلسفي الجديد.
وقد استطاعت في نهاية المطاف ان تنشر الأفكار الجديدة على نطاق واسع وان تطيح بالطبقة القديمة وبكل النظام الاستبدادي الأصولي المرتبط بها.
وقد عمق المفكر التونسي عبد المجيد الشرفي هذه الفكرة أكثر عندما قال لنا بما معناه: لا تحلموا بان تنتصر العقلانية في المجتمعات العربية عن طريق الفكر وحده.
فما لم تتم عملية الانتقال من أنماط الإنتاج الزراعية والرعوية التقليدية إلى أنماط الإنتاج الصناعية الحديثة فإن التنوير الفكري مصيره الفشل. فالفكر السلفي التواكلي مرتبط باقتصاد الريع الذي لا علاقة له بالعمل والجهد والابتكار وذلك على عكس الاقتصاد البرجوازي والرأسمالي الديناميكي الخلاق.
وبالتالي فما دامت أنماط الإنتاج التقليدية هي السائدة فإن الفكر السلفي سيظل مسيطرا علينا ولا تكفي محاربته فكريا لكي يزول. صحيح انه توجد بورجوازية عربية كما نبه إلى ذلك الأستاذ الهوني ولكنها برجوازية طفيلية لا إنتاجية أو إبداعية كالبرجوازية الأوروبية. فهي قائمة على الريع أي مال النفط أساسا. وهو مال غير منتج أو غير ناتج عن الجهد والعمل والابتكار الشخصي.
أما عبد الرزاق عيد فقد تساءل محتجا وربما غاضبا: انتم تتحدثون عن العقلانية وكأنها ابتدأت معكم. العقلانية سابقة عليكم أيها السادة. والسؤال الذي ينبغي أن تطرحوه هو التالي: ما هي درجة حضور العقلانية في تراثنا الإسلامي العريق؟ أو في تراثنا النهضوي الحديث؟
عودوا إلى الوراء قليلا، إلى عصر أحمد أمين وطه حسين ومحمد حسين هيكل والعقاد وسواهم،فسوف تجدون أنهم طرحوا نفس الأسئلة التي نطرحها الآن. وبالتالي فنحن لسنا بداية التاريخ، نحن لا ننطلق من نقطة الصفر كما قد نتوهم أحيانا.
فلنحاول أن نستأنف مسيرة العقلانية والتقدم من النقطة التي وصلوا إليها لكي يكون هناك تواصل بين الأجيال ثم لكي تكون مسيرة العقلانية العربية مسيرة تراكمية تواصلية لا انقطاعية ولا عدمية..
أما صادق جلال العظم فقد نبهنا إلى نقطة أخرى مهمة وهي ان انتصار العقلانية في الغرب عائد إلى انتصار الثورة العلمية الفيزيائية والرياضية في النصف الأول من القرن السابع عشر على يد غاليليو وكيبلر وديكارت وسواهم. ثم ترسخت هذه الثورة العلمية في نهاية القرن السابع عشر على يد نيوتن.
فلولا انه استطاع ان يكتشف قوانين الكون بشكل علمي دقيق ومدهش لما انتصرت التفسيرات العقلانية على التفسيرات الغيبية والخرافية للأصولية المسيحية. ولولا انجازاته الجبارة لما استطاع كانط ان يعطي ثقته للعقل البشري في حل مشاكل المجتمع والسير به نحو التقدم والتطور المطرد.
وهذا ما تحقق لاحقا في المجتمعات الأوروبية التي وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم من تنظيم عقلاني لشتى مناحي الحياة. ولهذا السبب قال بعضهم: لولا نيوتن لما كان كانط، أي لولا انتصار العقل العلمي الرياضي الفيزيائي لما انتصر العقل الفلسفي على العقل اللاهوتي المسيحي الظلامي ومحاكم التفتيش السيئة الذكر.
وبالتالي فهناك علاقة بين كل هذه الأشياء: أي بين التقدم العلمي والتقدم الاقتصادي البورجوازي الديناميكي وانتصار الفلسفة العقلانية التنويرية على الأصولية المسيحية التي كانت تسيطر على الشعب عن طريق تفسيراتها الغيبية واللاعقلانية لظواهر الكون.
وكذلك عن طريق اللعب على وتر العصبية الطائفية الراسخة الجذور منذ مئات السنين. ثم نبهتنا كل من الباحثتين التونسيتين رجاء بن سلامة وناجية الوريمي بوعجيلة إلى النقطة الهامة التالية: وهي أن اسم رابطة العقلانيين العرب يعني بالدرجة الأولى الاعتراف بسلطة العقل المستقلة عن أي سلطة أخرى خارجية عليه.
فقد أثبت العقل البشري انه قادر على حل المشاكل وبناء الحضارات الرائعة المزدهرة. وتخلف العرب عائد إلى إهمالهم للعقل وعدم ثقتهم به.
وهو إهمال طال أكثر مما يجب ولذلك آن الأوان لإعادة الاعتبار إلى العقل في بلداننا لكي نتقدم وننهض ونلحق بركب الأمم المتطورة. من هنا ضرورة إنشاء رابطة العقلانيين العرب فهي تلبي حاجة تاريخية وليست عبارة عن نزوة عابرة لبعض المثقفين..هذا وقد أوضح الأمين العام للرابطة الأستاذ جورج طرابيشي أهدافها ومنجزاتها وآفاقها المستقبلية..
وقد حاول كاتب هذه السطور تمرير الفكرة التالية بشكل مباشر أو غير مباشر. في المؤتمر ولا أعرف فيما إذا كنت قد نجحت في ذلك أم لا؟ فيصل دراج أعاد سبب انتكاسة العقل والعقلانية إلى هزيمة 5 حزيران النكراء وهو مصيب بدون شك.
أو قل أن هذه الهزيمة كانت ناتجة عن انعدام العقلانية في العالم العربي وبالأخص العقلانية المنهجية التي تمكن من السيطرة على العلم والتكنولوجيا. ولكن هزيمة العقل تعود في الواقع إلى أبعد من ذلك بكثير. إ
نها تعود إلى ألف سنة إلى الوراء. فمنذ ان هزم الفلاسفة والمعتزلة، أي التيار العقلاني في الحضارة العربية الإسلامية، أصبح العرب خارج قوس ولم تقم لهم قائمة بعدئذ. أنها لمأساة ان يخرج العرب من التاريخ كل هذه الفترة الطويلة بعد ان صنعوا واحدة من أجمل الحضارات على وجه الأرض. إنها لمأساة أن يصبحوا الرجل المريض للعالم بعد 11 سبتمبر وما تلاه.
وقد حاولوا ان ينهضوا من كبوتهم مرة أولى في القرن التاسع عشر وما يدعى بعصر النهضة أو العصر الليبرالي العربي ولكنهم فشلوا على الرغم من عظمة مفكري عصر النهضة وأهمية انجازاتهم. ولا ريب في ان التحدي الخارجي الذي فرض علينا عن طريق زرع دولة إسرائيل في المنطقة كان أحد الأسباب الأساسية التي أدت إلى إجهاض النهضة الأولى. فقد استنفد هذا التحدي كل إمكانياتنا التي كانت موجهة نحو التنمية والتنوير والنهوض الحضاري.
واليوم سوف تجهض النهضة العربية الثانية لنفس السبب إذا لم يتحقق أي حل معقول لهذا الصراع المدمر الذي شل طاقاتنا وأطفأ النور في عيوننا.
أكتب هذه الكلمات في الوقت الذي ينعقد فيه مؤتمر انابوليس في واشنطن والذي أتمنى له النجاح واضعا يدي على قلبي خوفا عليه من الفشل الذي سيعيدنا إلى نقطة الصفر من جديد. فهل سيفهم الغرب أخيرا ان قيام دولة فلسطينية إلى جانب الدولة الإسرائيلية هو الحد الأدنى للعدالة التاريخية؟
ان انتصار العقلانيين العرب على الأصوليين العرب يتوقف على ما سيتخذه الغرب الأوروبي الأميركي من قرارات في هذه اللحظة بالذات. ولن تنهض العقلانية العربية على قدميها ما دام هذا الصراع العقيم والمنهك للطاقات متواصلا.
وبالتالي فالانسداد التاريخي ليس ناتجا فقط عن عوامل داخلية تعود إلى ألف سنة إلى الوراء وإنما هو يعود إلى أسباب خارجية أو ضغوط خارجية تقصم الظهر. فليتحمل الغرب مسؤوليته إذن إذا كان يريد ان يحارب التطرف والتيارات التكفيرية واللاعقلانية في المنطقة. وعندئذ سيتحمل العقلانيون العرب مسؤوليتهم، كل مسؤوليتهم.
كاتب سوري ـ باريس