عقد في مطلع هذا الشهر المؤتمر الدولي الرابع للفيدرالية في جمهورية الهند. والذي يختص بمتابعة التجارب الفيدرالية في العالم وتحليل النتائج السلبية والإيجابية المتمخضة عن هذه التجارب.

ولا يخفى أن السبب وراء تأسيس هذا المؤتمر الدولي الخاص بالفيدرالية جاء كردة فعل عن أزمة إقليم كويبك الكندية عام 1995 والتي كانت تهدد بالانفصال وتفكيك الفيدرالية الكندية نتيجة التمايز اللغوي في ذلك الإقليم، وخطر هذه الأزمة استدعى طرح استفتاء على سكان الإقليم المضطرب حول مسألة الانفصال عن الدولة الفيدرالية. وقد كانت نتائج الاستفتاء قريبة إلى الموافقة على الانفصال لولا نسبة ضئيلة حالت دون ذلك.

وهذا الذي لم يتوقعه الكنديون أنفسهم، فمحاولة إقليم كويبك الانفصال والاستقلال عن الدولة الأم أثارت جملة من الأسئلة المتعلقة بمستقبل الفيدرالية في كندا، وأكدت في الوقت نفسه ضرورة متابعة التجربة الفيدرالية وتقييمها بين حين وآخر من أجل معالجة السلبيات في الحالة الاتحادية، ومن هنا دعت الحاجة إلى تأسيس مؤتمر دولي يهتم بمتابعة الفيدرالية حول العالم ومناقشة قضاياها وتحليل النجاحات والإخفاقات في التجارب الفيدرالية المختلفة.

ويحاول من جهة أخرى نشر ثقافة فيدرالية لدى الباحثين والمهتمين بهذه القضية، من خلال حوار عالمي حول الفيدرالية.

وقد تبنى المؤتمر عنوان «الوحدة في التنوع Unity in Diversity» في هذه الدورة والذي كان يشكل المحور الأساس لمناقشات المؤتمرين. وهذا العنوان في الحقيقة والذي لا يتعدى ثلاث كلمات بسيطٌ في صياغته إلا أنه كبيرٌ في هدفه ومعناه.

فالتنوع سمة من سمات الكون ولا يمكن إلغاؤها أو تجنبها. وهو «أي التنوع» بطبيعته يعتبر اختلافاً بين الأجناس لكنه لا يعني عدم القدرة على التعايش بل إنه يمكن خلق بيئة ملائمة للتعايش مع هذا الاختلاف، فالاختلاف والتنوع بين الأجناس مهما بلغت درجته لا يفسد ود الحياة والتعايش.

فالتنوع فضيلة وسنة من سنن الكون وليس رذيلة، لكنه عندما يستغل هذا الاختلاف ويتم تحويله إلى خلاف بين الأنا والآخر لهو المصيبة الكبرى، وهو أساس ما نعانيه في عالمنا المعاصر من احتقان سياسي في كثير من الدول وعلى وجه الخصوص العالم العربي.

هناك نحو 25 دولة قائمة على النظام السياسي الاتحادي «الفيدرالي».

وقد قام أغلبها بالأساس على فكرة الاتحاد طواعية بين عدة دول أو عدة أعراق وأجناس مختلفة تجمعهم الفيدرالية تحت مظلتها في إطار دولة واحدة. وتحاول هذه الأنظمة إدارة التنوع في مجتمعاتها بصورة سلمية تضمن التعايش من خلال تحقيق الوحدة ضمن هذا النسق المتنوع عرقياً أو طائفياً أو مذهبياً.

إن الأدبيات العربية تزخر بكثير من المؤلفات المهتمة بدراسة الفيدرالية. لكنها لم تسهم بما فيه الكفاية في توضيح معنى الفيدرالية بالشكل المطلوب، وذلك يرجع إلى كون هذه الدراسات تعتمد على القراءة البنيوية للفيدرالية من وجهة نظر قانونية صرفة، ولا تتناول الجوانب الأخرى المختلفة للفيدرالية بشكل كبير. فالقارئ لبعض هذه الدراسات يتبادر إلى ذهنه أن الفيدرالية هي عبارة عن اتحاد كامل لأجزاء متفرقة ضمن اختصاصات موزعة بين جهتين محلية وأخرى اتحادية.

بالرغم من الفلسفة الفيدرالية تقوم على بعض ما ذكر إلا أنها معقدة أكثر مما يتصور. وذلك يتطلب دراسة علمية أعمق لتفسير فلسفتها وتوضيح سير عملها على أرض الواقع.

وهذا القصور في إيجاد دراسات عربية توضح المعنى الحقيقي للفيدرالية ناتج عن افتقار العالم العربي لمراكز بحثية مختصة في دراسة الفيدرالية.

وإن هذه المراكز البحثية هي مطلب ضروري ومهم لمتابعة تطورات الفيدرالية الحديثة في عالمنا العربي. فالفيدرالية اليوم أصبحت ذات وهج عالمي، وأصبحت كذلك الحل الناجع والقادر على احتواء الخلافات من خلال إدارة التنوع بمختلف جوانبه بطريقة ترضي الجميع.

وبالرغم من أن الحلم العربي يحمل رسالة وحدة الوطن العربي إلا أنه منذ عام 1922 وحتى الآن لا توجد سوى تجربة فيدرالية واحدة مستمرة إلى الآن، هي التجربة الإماراتية ذات الستة والثلاثين عاماً.

وهناك أيضاً كلامٌ كثير حول وجود الفيدرالية في السودان والعراق، وعليه فإن هذه التجارب الفيدرالية تحتاج لدراسة ومتابعة علمية متخصصة تناط بها مراكز البحوث، لأنها قد تشكل الطريق إلى وحدة الوطن العربي.

إن تحقيق الوحدة ضمن نسيج معقد من التنوع في الدولة الواحدة، ليس بالأمر السهل والهين وذلك لأن هذا التنوع يختلف من مجتمعٍ إلى آخر، فلكلٍ درجةٌ مختلفة من الصعوبة والتعقيد. لكن المهم في الأمر أن الفيدرالية بطبيعتها تمثل الحل المثالي والواقعي في نفس الوقت للمجتمعات التي من الممكن أن يشكل فيها التنوع أزمة قد تؤدي إلى الانفصال والتفكك.

فالفيدرالية تجمع بين كل أطياف التنوع في إطار اتحادي يقع في منطقة الوسط ما بين الاتحاد الكامل وبين الاستقلال التام ضمن إطار الدولة الفيدرالية الواحدة.

وبكلمةٍ أخرى تتضح لنا الرؤية بشكلٍ جلي من خلال سير العمليات السياسية والتي تعمل ضمن إطار دستوري ينظم العلاقة بين الاتحادي والمحلي من خلال تحديد الاختصاصات التي تمثل الحدود الفاصلة بين السلطتين في الكيان الفيدرالي.

ومن خلال المشاركة في مناقشات هذا المؤتمر الذي ضم كوكبة من المفكرين والباحثين الشباب والمسؤولين الحكوميين لوحظ أن جلسات المؤتمر ركزت على محاور في غاية الأهمية حاولت من خلالها تناول أبعاد متنوعة تتعلق بالمسألة الفيدرالية.

مثل: جوانب الصراع الداخلي في الدولة الفيدرالية، وجوانب المسائل المالية في النظام الفيدرالي، وطبيعة النظم الفيدرالية، وغيرها من المحاور المهمة، ومن حيث المبدأ فإن دراسة الفيدرالية من ناحية بنية النظام السياسي والدستوري مهمة قطعاً، لكن جوانب الدراسة لا تقف عند هذا الحد.

بل إنه من المهم الذهاب إلى أبعاد أعمق من ذلك والاهتمام بالجوانب الأخرى مثل: دراسة جانب فكرة الفيدرالية نفسها. فالتطور الفكري مهم لمثل هذا الموضوع وهو مرتبط بلا شك بجوانب عديدة أهمها النظام الاجتماعي في الدولة.

وتعكس لنا أزمة كويبك الكندية بشكل لا يدع مجالاً للشك أهمية متابعة الجوانب الأخرى المتعلقة بالفيدرالية مثل الجانب الاجتماعي،... الخ. فالسكان في إقليم كويبك مقتنعون بالفيدرالية وموافقون عليها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى متى يستمر القبول بالفيدرالية كحل لإدارة التنوع؟ وما مدى رضا النظام الاجتماعي عن هذه الفكرة؟

إن الطبيعة البشرية هي متقلبة بطبيعة حالها، وقبول الأفراد بفكرة معينة في مرحلة من المراحل لا يعني بالضرورة رضاهم عليها إلى الأبد. فلهذا يجب متابعة الفيدرالية من جوانبها المختلفة وليس التركيز على جانب معين فقط. وذلك درءاً لكثير من القضايا التي قد يشكل بروزها على الساحة تهديداً للفيدرالية الوطنية.

قد لا تلقى الفيدرالية ذلك الترحيب الواسع في أوساط العالم العربي، لأن هنالك من يرى فيها بدايةً للتقسيم، نعم قد تكون كذلك، ولكن ليس التقسيم الذي يعني التفتيت والتفكيك بقدر ما هو تقسيمٌ للسلطة على مستويات الاتحادي والمحلي. إن تقسيم السلطة على النمط الفيدرالي يمنع تمركزها في جهةٍ واحدة. ومن أجل تحقيق ذلك لابد من وجود جهة مركزية «اتحادية» تنظم سير توزيع السلطة في ظل إدارة سياسية تنتهج اللامركزية كأسلوب لإدارة حكم الدولة.

كاتب إماراتي

moc.liamtoh@ibabhala_ila