بالهزيمة النكراء لزعيم المحافظين الاستراليين «جون هاوارد» آخر رؤساء الحكومات التابعين لزعيم المحافظين الأميركيين «الرئيس بوش» في الانتخابات الاسترالية العامة، تكون آخر الأحجار السوداء الرئيسة على رقعة الشطرنج الدولية في فريق الحرب العدوانية على العراق قد سقطت عقابا له من شعوبها على تجاهلها لإرادتها والسباحة ضد التيار الغلاب دوما للإرادة الشعبية.
ولعلكم تذكرون مواقع أعضاء حلف العدوان على العراق خارج إطار الشرعية الدولية على رقعة الشطرنج التي تساقطت جميع أحجارها بلا استثناء سواء من الوزير إلى الفيل، ومن الحصان إلى الطابية.
وبقي الملك الأميركي وحيدا بعد أن خسر هو الآخر ثقة شعبه في الانتخابات التشريعية، عندما سيطرت الأغلبية الديمقراطية المعارضة والمطالبة بسحب القوات الأميركية المأزومة من العراق بعد أن خسر حلفاءه.
لقد سقط جميع أعضاء فريق العدوان الأسود من رؤساء الحكومات السابقة، البريطاني «بلير» في موقع الوزير، والإسباني «أزنار» في موقع الفيل، والإيطالي «بيرلسكونى» في موقع الحصان، والاسترالي «هاوارد» في موقع الطابية، ثم انضم إليهم مؤخرا الياباني «آبيه» في موقع الحصان الذي سرعان ما تعثر وسقط، وبسقوط الطابية تسقط معها آخر حصون أعداء الشعوب.
وقد سقطت معهم كما كان متوقعا الرهانات على قدرة القوة العسكرية الجبارة على قهر مقاومة الشعوب، وعلى قدرة الحماية الأميركية لأنظمتهم السياسية المتهاوية على تزوير إرادة الشعوب التي عبرت عن نفسها في المظاهرات المليونية وفى استطلاعات الرأي العام ضد شن الحرب، ثم أسقطتهم جميعا الشعوب التي تجاهلوا إرادتها واحدا تلو الآخر، وعلى امتداد القارات الأميركية والأوروبية والآسيوية وأخيرا وليس آخرا الاسترالية، والبقية تأتى.
ويلفت النظر أن سقوط «هاوارد» المحافظ العجوز الذي يقترب عمره من السبعين عاما أمام السياسى الشاب «كيفن رود» زعيم الائتلاف الوطني العمالي الذي يصغره بعشرين عاما والذى تعهد بسحب قواته من العراق في حالة الفوز مثلما فعل «ثاباتيرو» في أسبانيا.
و«برودى» في إيطاليا، و«براون» في بريطانيا، لم يسبب خسارة هاوارد في هذه الانتخابات لموقعه الحكومي فقط، بل،وهو الأكثرخيبة للأمل، لمقعده البرلماني أيضا في دائرته الانتخابية «سيدنى»، وهوبهذا ثانى رئيس وزراء في تاريخ استراليا يواجه هذه الخيبة الثقيلة !!
والمفارقة هنا، أنه كان أيضا ثاني أطول الرؤساء حكما بعد أن حكم لأربع ولايات على مدى 11عاما، وهو بهذا يلي مثله الأعلى «روبرت منزيس» ـ الذي أرسل قوات استرالية أيضا للقتال مع أميركا في فيتنام وخرجا منها مهزومين، وهو نفسه الذى طرده جمال عبد الناصر من مكتبه إبان أزمة تأميم قناة السويس لعنجهيته وعدوانيته ـ وحكم لمدة 18 عاما.
ويبدو أن قطاعا كبيرا من شعبه ملولا بطبعه، إذ بالإضافة إلى معارضته لها وارد لاستمراره في الحلف العدواني، وصفه شعبه في استطلاع حكومى بأنه يتسم بالشيخوخة وعدم النزاهة !
وفى حين أ ن مشكلة هاوارد الحقيقية نبعت من سياسته العسكرية العدوانية وعنجهيته السياسية التي تجاوزت سياسة زعيمه منزيس تجاه جيرانه في آسيا والمحيط الهادي كحجر زاوية في الاستراتجية العسكرية والسياسية الأميركية في هذه المنظفة، إلا أنه كان ملكيا أكثر من الملك نفسه، ليس طبقا للمثل الشائع ولكن أيضا في الواقع فبلاده خاضعة للتاج البريطاني حتى اليوم، حيث تجاوز في ولائه للملك الأميركي زميله بلير، بصورة تجاوزت السياسة البريطانية.
بالإضافة إلى دوره العسكري في إطار الاستراتيجية الأميركية لما يسمى بالحرب على الإرهاب ضد جيرانه بجنوب شرقي آسيا في إندونيسيا وأفغانستان، مما دفع ماليزيا للتهديد بانهاء علاقاتها معه. فتأزمت علاقاته مع جيرانه بعد أن تأزمت علاقاته مع شعبه.. فكان طبيعيا أن يسحب الشعب الثقة منه ويبعث بذلك برسالة تقول «كش ملك» للإدارة الأميركية التي تحاول التعويض في أنابوليس.. فهل ستفشل أيضا.. أغلب الظن.