على المستوى النظري فإن مؤتمر أنابوليس الذي استضافته الولايات المتحدة قبل ثلاثة أيام قدم تصورا عميقا لـ «السلام» بين العرب وإسرائيل في استناده على مرجعية راسخة الجذور متكاملة الأركان إلى حد كبير تتمثل في قراري مجلس الأمن رقمي 242 و338 اللذين يحددان خطوط الرابع من يونيو 1967 كأساس للتفاوض على حدود «الدولة الفلسطينية» المنتظرة.

وكذلك القرار 1397 الذي كان أول قرار يصدر عن المجلس متحدثا عن هذه الدولة «الافتراضية»، إلى جانب المبادرة العربية للسلام التي قدمتها السعودية وأقرتها القمة العربية ببيروت عام 2002.

والقاعدة الشهيرة التي يتمسك بها العرب على مدار نحو عقدين من الزمن والتي تضع «الأرض مقابل السلام»، علاوة على تحدث واشنطن صراحة، ولأول مرة بهذا المستوى من العلن، أن السلام في الشرق الأوسط «مصلحة وطنية أميركية»، وهو ما جاء على لسان وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في كلمتها التي اختتمت بها المؤتمر.

لكن المستوى العملي لا يزال متخما بمشكلات ومعضلات لا يمكن إنكارها، ويجب التعامل معها بواقعية شديدة، وتبصر أشد، حتى لا يمر ما جرى في المؤتمر من دون أن يحفر علامة بارزة على طريق حل الصراع العربي الإسرائيلي وإقامة السلام العادل والشامل والدائم.

ولا يبدو أن هذه الغاية دانية بأي حال من الأحوال. وهي مسألة كانت واضحة حتى قبل المؤتمر، الأمر الذي عبر عنه وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط حين عول على سلسلة مكثفة من الجولات التفاوضية «الجادة والمتعمقة» عقب المؤتمر تدور حول القضايا الجوهرية كافة، وفي مطلعها حدود الدولة الفلسطينية، وقضايا القدس واللاجئين والمياه، بعد أن تأخر بحثها أكثر من سبع سنوات.

جراء صدود إسرائيل وتعنتها، وإهالتها التراب على «عملية السلام» واتباع النهج الانفرادي أو من طرف واحد في التعامل مع الفلسطينيين، في استعلاء وتنكر كامل لكل الاتفاقيات والبروتوكولات الموقعة بين الجانبين.

في ظل هذا السياق يجب على العرب أن يستحضروا تجربة التاريخ القريب، حتى لا يلدغوا من الجحر نفسه للمرة الثالثة، إما عن نسيان أو تراخ أو قلة حيلة، وتكون النتيجة هذه المرة كسابقاتها وهي حصاد الهشيم، وقبض الريح، والعودة بخفي حنين، واكتشاف أن التعامل مع هذا المؤتمر بوصفه علامة فارقة في تاريخ المنطقة، أو أنه على الأقل سيأتي للفلسطينيين بما لم تأت به المؤتمرات الأوائل، كان مجرد أوهام، أو أضغاث أحلام، تنتهي بكوابيس مفزعة.

فهناك حديث يدور حاليا عن رغبة أميركية في التوصل إلى اتفاق قبل نهاية الفترة الرئاسية لجورج بوش يتضمن إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل على أن يؤجل تنفيذه إلى حين تصبح السلطة الفلسطينية أصلب عودا، وأشد مراسا. وهناك تغطيات صحافية إسرائيلية تتحدث عن أن إيهود أولمرت اتفق مع أبو مازن على عودة عشرين ألف لاجئ فلسطيني إلى إسرائيل.

والمقابل الذي تريده أميركا وإسرائيل من هذا هو «إنهاء الصراع»، أي فتح باب التطبيع على مصراعيه، وطي صفحة الماضي، وكأن أرضا لم تحتل، وأرواحا لم تزهق، وأعراضا لم تنتهك، وعداوات لم تسر في النفوس قرابة قرن كامل، وكلها أمور لا يمكن القفز عليها أو إهمالها إن كانت هناك إرادة أميركية ـ إسرائيلية حقيقية في الوصول إلى حلول ناجعة.

فمن شديد الأسف أن الحديث عن «الدولة الفلسطينية» قد سمعه العرب مرتين من قبل وصدقوه، وذهبوا في تصديقه إلى أقصى حد، وتعاملوا معه بأعلى إيجابية ممكنة، ثم لم يحصلوا على أي شيء حتى هذه اللحظة. والمرة الأولى كانت عقب حدث 11 سبتمبر الشهير.

حيث أطلقت الولايات المتحدة متكاملة الأركان على «الإرهاب الدولي» وكانت تحتاج وقوف العرب إلى جانبها، فتحدث الرئيس بوش عن «دولة فلسطينية» تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتلفظ فيها بهذا المصطلح، ويعد فيها بذلك الوعد.

وصدقه العرب فتعاونوا أمنيا بشكل كامل مع واشنطن، التي ذهبت إلى حد شن حرب على أفغانستان انتهت بإزاحة حركة طالبان عن السلطة وتشتيت تنظيم القاعدة. وانتظر العرب أن يفي بوش بوعده، لكنه أطبق فكيه على لسانه، والتزم بصمت مطبق.

والمرة الثانية كانت قبيل غزو العراق، فوقتها عاد بوش ليتحدث عن «دولة فلسطينية» من جديد. وكان الهدف أيضا هو حاجته إلى العرب ليقفوا جوار بلاده في تلك الخطوة الفارقة في تاريخ المنطقة.

واعتقد الجميع أن ثمن الإطاحة بنظام صدام حسين هو إقامة دولة للفلسطينيين، فغضوا الطرف عما سيحدث، خاصة أن صدام كان قد تصرف على مدار 12 عاما بما لا يجعل أحدا يتعاطف معه أو يسانده أو يرى فائدة في استمرار نظام حكمه.

ووضعت الحرب أوزارها، وعض بوش على لسانه من جديد، بل تمادت إسرائيل في عدوانها على الفلسطينيين، فاغتالت رموزهم، من أحمد ياسين إلى ياسر عرفات، وتوسعت في بناء المستوطنات، وتجريف الأرض، ثم بنت جدارا عنصريا عازلا، يخنق شعبا بأكمله، ويحول أرضه التي تتآكل إلى جيتو أو كانتونات متقطعة الأوصال.

وقبل هاتين المرتين كان العرب قد تعاونوا عسكريا مع قوات «التحالف الدولي» التي أخرجت العراق من الكويت، وذهبوا بعدها إلى مؤتمر مدريد أملا في إيجاد سلام نهائي، لكن المؤتمر لم يسفر عن شيء ذي بال. واضطر العرب إلى قبول المسارات الفردية، التي أثمرت اتفاق وادي عربة مع الأردن.

ومسارا سريا انتهى باتفاقية أوسلو التي أقامت سلطة فلسطينية، لا تزال عزلاء غير ممكنة. وبقيت الجولان السورية محتلة، وكذلك جنوب لبنان، الذي لم يتحرر سوى بسواعد المقاومة الباسلة، ومع هذا تبقى مزارع شبعا وتلال كفر شوبا رازحة تحت الاحتلال الإسرائيلي.

وهذه المرة يبدو أن الولايات المتحدة تريد أن تجهز لعملية حاسمة ضد إيران، بعد إصرارها على مواصلة تخصيب اليورانيوم واستكمال برنامجها النووي. وتحتاج واشنطن في هذا إلى العرب من جديد، ربما للمساهمة في تمويل تكاليف الحرب.

خاصة بعد الوفورات المالية الكبيرة التي ضختها أسعار البترول المرتفعة، أو فتح بعض الأرض العربية لتكون قاعدة انطلاق كبيرة للعملية العسكرية إن اتخذ قرار بشنها، أو تقديم معلومات أمنية واستخباراتية عن إيران من الداخل، تسهل اختراقها وتقويض مناعتها.

وقد أدرك العرب في البداية أن الحرب ضد إيران ليست في صالحهم، ودعوا جميعا إلى ضرورة حل المشكلة القائمة بين واشنطن وطهران بالطرق السلمية.

وعلى التوازي طالبوا بضرورة أن يخرج مؤتمر أنابوليس بحلول حقيقية للصراع المزمن بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأبدوا تشككهم في نوايا الولايات المتحدة وإسرائيل من هذا المؤتمر.

خاصة أن الشواهد على الأرض تتناقض مع الأقاويل عن السلام وحل الصراع. ومع ذلك ذهبت دول عربية أساسية في مطلعها مصر والسعودية وسوريا للمشاركة فيه، أملا منها في ألا تضيع «الفرصة الأخيرة للسلام» وعبر الرئيس المصري حسني مبارك عن هذا الأمر بوضوح حين قال: «لا ينبغي إصدار الأحكام المسبقة عن اجتماع أنابوليس ويجب انتظار نتائجه».

إلا أن نوايا العرب الطيبة لا تقابل بالمثل من قبل إسرائيل، التي لا تزال تمارس لعبة التلكؤ والتهرب من الاستحقاقات الأساسية، والأيام تمر، ولا نجد شيئا مطروحا أمامنا سوى الكلام والوعود، التي ليس هناك ما يضمن ألا تكون كاذبة.

وإذا تفاعل العرب معها بإيجابية جديدة، على غرار ما فعلوا قبل احتلال أفغانستان والعراق، فليس هناك ما يمنع أن يلدغوا من هذا الجحر الأميركي ـ الإسرائيلي مرة ثالثة، وعندها ستدخل المنطقة إلى نفق طويل مظلم، وستخرج إسرائيل منتصرة دبلوماسيا بوضع أقدام دول عربية عدة على أول دروب التطبيع، مع أن المنطق كان يحتم أن يستغل العرب الهزيمة العسكرية الأخيرة لإسرائيل على يد حزب الله في الحصول على نصر سياسي مستحق.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة