عندما تتسابق زعامات حزبية في التقرب من الدكتاتور الحاكم لعقد صفقة سلطوية انفرادية معه فإنها في الحقيقة تتسبب في إطالة عمر الدكتاتورية، هذا هو ملخص الصورة التي آل إليها الوضع السياسي الراهن في باكستان، وبالغريزة الاستبدادية يدرك الدكتاتور أن استمرار بقائه رغم افتقاره إلى قاعدة شعبية صلبة وعريضة يعتمد على تخاصم وتفرق قيادات المعارضة، وبالتالي مدى مهارته السلطوية في استغلال الخصومات.

في عهد الديمقراطية وإلى أن استولى قائد الجيش الجنرال مشرف على السلطة في عام 1999 كان الحزبان التقليديان المتنافسان ـ «حزب الشعب الباكستاني» بزعامة بنازير بوتو وحزب «الرابطة الإسلامية الباكستانية» بزعامة نواز شريف يتداولان الحكم (بالائتلاف مع جماعات أخرى صغيرة) عن طريق الانتخابات العامة وعلى مدى السنوات الثماني الأخيرة ظل هذان الزعيمان يقيمان خارج البلاد بينما اختفى حزباهما عن المسرح السياسي الداخلي، والآن عاد الزعيمان، بعد أن تراءى لكل منهما أن الفرصة قد حانت لاسترداد السلطة.

اندلعت انتفاضة شعبية عارمة في شوارع كراتشي وإسلام أباد وروالبندي ولاهور بقيادة المحامين والقضاة ـ وفي مقدمتهم كبير قضاة المحكمة العليا افتخار شودري، فقرر كل من بوتو وشريف استثمارها ليس بهدف استرداد النظام الديمقراطي الكامل وإنما لمشاركة الجنرال الدكتاتور في السلطة، وهنا لجأ الدكتاتور إلى لعبة استغلال تناقض المصلحة بين الزعمين.

عادت إلى البلاد أولا بوتو بعد أن استكملت مع رجال مشرف صفقة سرية، تحظى زعيمة حزب «الشعب» بمنصب رئيس الوزراء وبعفو رئاسي عن اتهامات فساد قديمة، وفي المقابل تضمن له الفوز في انتخابات رئاسية في البرلمان بأن تأمر كتلة نواب حزبها بالتصويت له وذلك لفترة انتقالية تجري بعدها انتخابات عامة حرة.

لاحقا تراءى للجنرال أن يتنصل من الصفقة بعد أن ضمن فعلا الفوز الانتخابي الرئاسي من داخل البرلمان لكي يتفادى ركوب مخاطرة الانتخابات العامة الحرة عقب نهاية المرحلة الانتقالية، وبعد أن تأكد لدى بوتو أن الرئيس مشرف تنكر للاتفاق فإنها بدورها أعلنت بطلان سريان الصفقة، ومن ثم ضمت صوتها إلى صوت انتفاضة القضاة والمحامين في الشارع العريض مطالبة بإسقاط نظام مشرف.

لكن الجنرال كان جاهزا للتعامل مع هذه المفاجأة فقد فتح في هذا الأثناء قناة سرية مع نواز شريف الغريم الأكبر لرئيسة حزب الشعب بعد أن أعلن ـ أي الجنرال ـ موعدا رسميا للانتخابات العامة هو الثامن من يناير، وبعد أن دشنت بوتو حملة لدعوة قادة الأحزاب جميعا لمقاطعة الانتخابات، وأسقط في يد بوتو عندما هرع نواز شريف فور عودته للبلاد إلى تسجيل ترشيحه للانتخابات نائيا بنفسه وبحزبه عن حملة بوتو للمقاطعة.

هكذا بدأ الآن تسابق محموم بين حزب الشعب والرابطة الإسلامية وسط ارتياب كل منهما في نوايا الآخر، وقد افتتحت بوتو السباق بتسجيل ترشيحها أيضا للانتخابات تخوفا من أن يسيطر حزب غريمها على الساحة الانتخابية وحده. ويبدو في هذه الأثناء أن مشرف عقد صفقة سرية أيضا مع نواز شريف.

والآن ما على الجنرال سوى الاسترخاء وهو يرى زعيمي المعارضة الكبيرين بوتو ونواز يتدافعان نحوه لاسترضائه وقد اعتزم كل منهما التفوق على الآخر في سبيل مشاركة الدكتاتور في السلطة، وهكذا أصبح متاحا للجنرال ممارسة لعبة التقريب والإقصاء بين الطرفين المتنافسين مما يضمن له إطالة عمر نظامه لأجل غير مسمى.

وصفوة القول إن زعيمي المعارضة الباكستانية لا يبغيان استعادة النظام الديمقراطي بقدر ما يبغيان المصلحة الذاتية بأي ثمن حتى لو كان الثمن الدخول في مساومة مع الدكتاتور.