هل النفط لعنة أبدية على كل البشر، أم نقمة عندما حرّك آلة الصناعة، والمنتجات الأخرى المساعدة ليكون سبباً في القفز بالحضارة الإنسانية، إلى مسار بعيد ويفتح آفاقاً علمية وصناعية في كل دول العالم؟
اليساريون العرب يعتبرونه نقمة عندما تدفقت العمالة من دول الفائض البشري إلى الخليج، فتغيروا من طبقة الفلاحين والعمال "البروليتاريين" إلى توابع للامبريالية النفطية، والكاتب الشهير محمد حسنين هيكل رآه صدفة جغرافية ملعونة عندما انفجر في تلك الدول العربية ولم يستوطن في سورية ومصر، أما الغرب فجعله مسألة حياة وموت عندما تناقشت الدول الأوروبية على احتلال دول المصدر النفطي وتبعتها أمريكا باحتلال آخر عندما تحولت شركاتها إلى دول داخل دول باحتكار هذه السلعة الاستراتيجية حتى إن غزو العراق كان أحد أهداف هذا السباق الطويل، وغاياته التي لا تغيب عن دول القوة..
هناك كُتَّاب، وفلاسفة اقتصاد، جعلوه أزمة العالم عندما وصلت أسعاره إلى حافة المائة دولار، لكنهم كانوا أكثر شماتة وصمتاً حين وصل سعره لما دون عشرة دولارات، بينما الحقيقة الثابتة أن الدول الكاسبة من الصعود والهبوط هي صاحبة الشركات الكبرى التي لا تزال تتحكم بفوائضه وفوائده، وأغلبها أوروبية وأمريكية، وأكثر من عائدات الدول المصدرة..
آخرون استغلوا صعود الأسعار بأن هذه العوائد لا تذهب للتنمية وإنما تذهب لدعم الإرهاب، لأن النفط العربي - الإسلامي إرهابي وجزء من حرب طويلة لن تنتهي، لكنه لو كان إسرائيلياً، أو أوروبياً لربما تحول إلى عطور وباقات ورد ونشرة سلام بين الشعوب والأمم، لكن هذا الإدراك المتأخر لقيمة النفط لم يأت اعتباطاً، حين دخلت دول أخرى تنافس على الاستهلاك ورفع الأسعار فصارت الشتيمة واللوم يوجّهان لدول أوبك والدول المنتجة الأخرى..
إذن النفط حمل عداوات كثيرة، حتى الذين لا زالوا يعيشون عقيدة الحرب الباردة باستخدامه سلاحاً وبالمطالبة بإيقاف تصديره، حاولوا طبعه بتظاهرات ساذجة، بينما في حمى صراع القطبين لم يقبل الاتحاد السوفياتي حرمان الدول المتعاملة معه في بيع وشراء النفط، أو يجعله سلعة مغامرة وسلاحاً سياسياً، وما تم خلال حرب 1973م هو أمرٌ لا يمكن تكراره..
الصورة ليست زاهية في نظر من لديهم إمكانات تفوق دخل النفط، ومنها دول عربية عطلت عجلة التنمية بإجراءات تعسفية، سواء بأساليب التأميم، أو قيم الدولة المهيمنة على كل شيء وفي ظل سلسلة القوانين انتشر الفساد، وتغيرت معالم دول كانت فوائضها الصناعية ومنتجاتها الزراعية أذرعة الرفاه الاجتماعي الذي لم تحصل عليه دول الخليج، ولا الجزيرة العربية..
الموضوع لا يدخل في التنافس السياسي، أو تغيير البوصلة باتجاهٍ آخر، وما تقدره الدوائر الاقتصادية العالمية من أن دخل دول الخليج من النفط لا يوازي ثروات كيانين صغيرين في آسيا، وهما سنغافورة، وهونغ كونغ، يعني أن الخروج من عنق الفقر وبإمكانات أقل من عادية لكنها لم تكن هدفاً عربياً، ولا إسلامياً، عندما تقهقرت معظم هذه الدول لأسباب داخلية وليست خارجية ولم يكن أيضاً النفط عامل تخريب لتلك النظم، لكنه العجز في أبنية الهياكل الصحيحة والتي من خلفها لم يأت الرفاه والثراء اللذان تقودهما السياسة الناجحة، والمتطورة..
