ما يحدث في القارة الأميركية الجنوبية يثير تساؤلات وتحليلات كثيرة لدى المراقبين والمحللين والمهتمين بالشؤون الدولية.
حيث إن هناك قواعد شبه متفق عليها مسبقا عند الحديث عن هذه القارة، منها أنها بيئة خصبة للثورات والحروب الأهلية والمقاومة المسلحة وحرب العصابات والتنظيمات الحمراء الراديكالية، وفي نفس الوقت فهي حديقة الأمن الإستراتيجية الأولي للولايات المتحدة الأميركية.
كما كان يقال عنها، ولكن على ما يبدو أن ما شهدته الساحة في هذه القارة منذ مطلع الألفية الثالثة يعكس ظهور تيار فكري ومنهجي سياسي جديد يختلف كثيرا عن المتعارف عليه عنها في القرن الماضي.
فقد شهدت هذه القارة في معظم بلدانها خلال الأعوام السبعة الماضية تغييرات جذرية في أنظمة حكم بعضها وتوجهات السياسة الخارجية لدى البعض الآخر ولكن بدون أن تشتعل ثورات أو تراق دماء أو يستخدم السلاح، الأمر الذي جعل المحللين يعيدون النظر في معايير تقييمهم للأوضاع في هذه القارة.
لقد دخلت قارة أميركا الجنوبية التي وقعت طوال تاريخها المعاصر تحت نفوذ الولايات المتحدة الأميركية الألفية الجديدة وهي تتلمس طريقها الخاص للتنمية الاقتصادية والتطور السياسي.
ويمكن فهم موقف بلدان أميركا الجنوبية الحديث كرد فعل لواقع لمسته شعوبها وأنظمتها السياسية طيلة القرن العشرين، حيث لم تجلب نزعة السيطرة للجار الشمالي الكبير(الولايات المتحدة) إلى هذه المنطقة الفرحة أو الرفاهية أو حتى الحياة الكريمة الهادئة لسكان بلدان القارة.
بل جلبت لهم الفقر والجوع والجريمة والأمراض والمخدرات، وأيضا جلبت لهم الديمقراطية المزيفة التي وضعت المجرمين ورؤساء العصابات وتجار المخدرات في سدة الحكم في بعض هذه البلدان ليستغلوا شعوبها وينهبوا ثرواتها تحت رعاية ورقابة واشنطن، ويكدسون أموالهم في البنوك الأميركية.
ولهذا كان من المتوقع مع ازدياد حدة الفقر والتخلف لدى شعوب هذه القارة المنهوبة أن يكون رد الفعل قوي وجذري، ولهذا يعد التحول اليساري الأخير الذي حدث في هذه القارة واستحوذ على اهتمام المحللين والباحثين وأيضا وسائل الإعلام ردا على خيبة الأمل في الوعود الأميركية والفشل في تحقيق الأماني بالطرق التي رسمتها واشنطن لشعوب القارة.
ويرى عدد من الخبراء الروس المطلعين على مشاكل منطقة أميركا اللاتينية أن الانعطاف الحالي إلى جهة اليسار كان متوقعا لسبب آخر أيضا.
حيث يقول المسؤول السابق في هيئة الاستخبارات الخارجية الروسية، عضو البرلمان الحالي الجنرال المتقاعد نيقولاي ليونوف الذي عمل لسنوات طويلة في بلدان أميركا اللاتينية «أن البحث عن جذور العمليات الجارية حاليا في هذه القارة يجب أن يجري من خلال البحث في أعماق الثورة الكوبية، وفي السياسة والإيديولوجية التي اقترحها فيديل كاسترو، لأن هذه الثورة بالتحديد هي المنبع الثقافي الأساسي للفكر الثوري في أميركا اللاتينية كلها».
ويقول ليونوف: «أن الولايات المتحدة دفعت ثمنا باهظا في ستينات وسبعينات القرن الماضي لكي تتمكن من كتم تأثير الثورة الكوبية، وإيصال القوى السياسية التي تعمل وفق ما يسمى بعقيدة مونرو التي وضعت في عام 1823 إلى السلطة في دول أميركا اللاتينية.
غير انه كان من المفروض أن يظهر لدى منظري الثورة الكوبية من يواصل حمل أفكارهم. وقد ظهر هؤلاء بسرعة فعلا حيث تكفي الإشارة إلى انتفاضة الراديكاليين العسكريين في بيرو التي وضعت حدا للحكومات الموالية للولايات المتحدة، ووصول الجنرال عمر توريخوس إلى السلطة في بنما الذي بدأ الكفاح من أجل استعادة قناة بانما».
وتجدر الإشارة إلى أن مصالح الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية قد تضررت بشكل كبير في السنوات الأخيرة. ويتميز رئيسا فنزويلا وبوليفيا هوغو تشافيز وايفو موراليس أكثر من غيرهما بالمواقف المتشددة تجاه الولايات المتحدة.
مما يثير قلق واشنطن بشدة من انتشار نهجهما في باقي أرجاء القارة، خاصة على ضوء التصريحات الأخيرة للزعيم الفنزويلي المهاجمة والناقدة بشدة لسياسات واشنطن واتصالاته المستمرة بكافة الجهات المعادية لأميركا مثل إيران وبيلاروسيا وغيرهما، وأيضا توقف فنزويلا التام عن شراء الأسلحة الأميركية والتحول نحو استخدام التقنيات العسكرية الروسية.
ويذكر أن الولايات المتحدة فقدت بمثل هذا السيناريو بالضبط سيطرتها على بيرو لسنوات طويلة. وقد قام ايفو موراليس في بوليفيا بدوره بتأميم قطاع النفط والغاز في البلاد - أي أنه وجه ضربة قوية إلى رأس المال العابر للحدود.
ويصف تشافيز وموراليس نفسيهما بوارثي أفكار كاسترو مما يؤكد على صحة استنتاج الجنرال الروسي ليونوف في تحليلاته التي أشرنا إليها.
وبهذا الشكل فإن توقيع الاتفاقية الثلاثية بين كوبا وفنزويلا وبوليفيا للتعاون والتجارة في شهر أبريل 2006 لم يكن مجرد صدفة. وإذا كانت فنزويلا قد لعبت في هذا الثلاثي دور المانح الممول فإن كوبا استطاعت أن تكون مصدرا للطاقات الفكرية فيه.
ولا يجوز تجاهل تلك البلدان التي تتميز بأهمية إستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة كالأرجنتين والبرازيل والأرغواي. وعلى الرغم من أن زعماء هذه البلدان يتصفون باعتدال الآراء إلا أنهم لا يتطلعون إلى الولايات المتحدة بل إلى أوروبا والصين وروسيا.
وحتى الهزيمة التي مني بها اليساريون العام الماضي في الانتخابات التي جرت في بيرو فيمكن وصفها بالنسبية، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار حقيقة حصول اليساري القومي اوليانتا اومالا على 45 بالمائة من أصوات الناخبين.
اليسار يتحرك في أميركا اللاتينية وينمو بسرعة وهدوء نسبي خال من الشعارات الثورية والتحريضية، ويعي قادة هذا التحرك جيدا أن العنف يولد العنف المضاد، كما يعون جيدا أن العمل المنظم والاهتمام بالنواحي الاقتصادية والاجتماعية هما الأساس لصد أي محاولات من جهات أجنبية أو داخلية عميلة لإجهاض التحرك اليساري وتمكنه من السيطرة على مقاليد الحكم والاقتصاد.
وأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية هما السبيل لالتفاف الشعوب حول النظام والتمسك به، وهذا ما فعله شافيز في فنزويلا وما تعكسه كافة البرامج الانتخابية للحركات اليسارية الجديدة في القارة الجنوبية، ويدل وصول زعماء يساريين إلى السلطة في بلدان أمريكيا اللاتينية من خلال انتخابات حرة وديمقراطية على أن الوضع السياسي في هذه المنطقة أخذ يستقر بالتدريج.
ولا تبدو أية نزاعات في الأفق إذا لم تحصل المعارضة الموالية للولايات المتحدة على دعم مالي سخي من واشنطن يدفعها لإثارة الفوضى والاضطرابات في الداخل.
ولا بد من القول إن الاشتراكية الراديكالية التي يدعو إليها الرئيس الفنزويلي تعتبر أمرا معتادا بالنسبة لأميركا اللاتينية وتحمل طابعا بوليفاريا، وتعني تبني المواقف الرأسمالية في بناء الدولة.
أما الاشتراكيون المعتدلون بزعامة الرئيس البرازيلي لويس ايناسيو لولا دا سيلفا فإنهم يدعون إلى تعزيز القيم الديمقراطية، وهكذا يمكن القول إن أميركا اللاتينية نجحت في وضع نظريات يسارية خاصة لها يمكن أن تكون بديلا للنهج الماركسي اللينيني أو الماوي الصيني.
ولم تعد بحاجة لتدشين المقاومة المسلحة وتدريب الشعب على حمل السلاح بل أصبحت بحاجة لحث الشعب على العمل والتنمية كوسيلة أفضل للتخلص من الإمبريالية العالمية التي جلبت لهم الفقر والتخلف وتجاهل العالم لهم ولمشاكلهم تحت ستار الهيمنة الأميركية على القارة.
وبهذا الشكل يمكن توقع تغييرات جذرية في النظام السياسي في أميركا اللاتينية ولكن بنهج فكري يعتمد في الأساس على استغلال الثروات القومية في التنمية والتعاون بين دول القارة، أما الثورات فإنها باتت مستبعدة الحدوث ولا يدور حولها أي حديث في هذه القارة.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني