من لبنان يأتي كل ما هو فريد وجديد، وأيضا كل ما هو عجيب وغريب!
فلبنان هو البلد العربي الوحيد الذي خرج فيه رأس الدولة من القصر إلى البيت وليس إلى مكان آخر، مودعا باحتفال رسمي كان له صداه الشعبي، بعد أنهى ولايته الدستورية، بل ولايتيه، وظل إلى آخر دقيقة يباشر مسؤولياته ويصدر قراراته رغم الضغوط الخارجية والداخلية المتحالفة معها والساعية لإسقاطه! مما استدعى أكثر من سؤال..
هل كانت سر قوة لبنان في مواجهة الأزمات والضغوط في ضعفه كما يقولون أم نبعت من قوة مقاومته؟.. وهل كان سر قوة ثبات وصمود الرئيس إميل لحوده أيضا لضعفه أم لقوته الشخصية ولرصيده العسكري ودوره الوطني وقوة مقاومته؟
في الغالب فإن سر قيمة لبنان في تنوعه، وسر حيوية لبنان هي تنوعه، وتمتع شعبه بحرياته وثقافاته، أما سر قوة لبنان هي في تلاحم جيشه ومقاومته.
ولا ينسى المراقبون المؤيدون أو المعارضون أن العماد إميل لحود كان له الإسهام الكبير كقائد في إعادة بناء وتوحيد الجيش اللبناني الذي هو الآن صمام الأمن اللبناني والمؤتمن من جميع الفرقاء لعقيدته الوطنية ولأنه يجمع كل الفرقاء.
كما لا ينسى المراقبون أنه لولا قيادة الرئيس لحود ما صمدت المقاومة ولا ما انتصرت في حروبها مع جيش الاحتلال الإسرائيلي مرتين مرة بطرده عام 2000 من جنوب لبنان، ومرة أكبر بقدرتها على منازلة جيش العدوان الصهيوني الأميركي على لبنان كل لبنان في حرب تموز للعام الماضي.
غير أن أزمة لبنان الحالية ناتجة من أنه يعايش وفرة في الحرية بينما يعاني من أزمة واقعية في الديمقراطية، وبينما يعيش حالة سيولة في السياسة يعاني من أزمة في الساسة، كما عبر عن ذلك الرئيس سليم الحص، ورغم ذلك تتجمع ولا تجتمع في لبنان كل ألوان الطيف الطبيعية والسياسية والدينية والثقافية والاجتماعية، وتفرض عليها جبرية العيش المشترك الائتلاف رغما عن الاختلاف، كما تفرض عليه تعدد القوى توازن الكتل.. بل توازن الفراغ!
لبنان يراه البعض لوحة من الموزاييك أو الفسيفساء الديني والسياسي، تنسجم في مظهرها وتتنافر في جوهرها، وبين ضباب الأزمات السياسية اللبنانية يبدو لبنان كلوحة تشكيلية لا تجريد فيها، فهي أحيانا تبدو تعبيرية وأحيانا تبدو تأثيرية وأحيانا تبدو سيريالية.
في أحوال الاستقرار الذي نادرا ما تشهده أجواؤه السياسية يبدو لبنان كلوحة تعبيرية تحمل لنا بوضوح تكويناتها الطائفية والسياسية في توازن وانسجام فنقول هذا هو لبنان بديمقراطيته التوافقية بلا أقلية ولا أكثرية.
وحينما يشع ضوء الحرية وتعلو الأصوات المتباينة الحرة يبدو كلوحة تأثيرية، فحين تقل مساحة الظل الداكنة تبدو أكثر اشراقا بتأثير الضوء على الطبوغرافيا المتنوعة الألوان وبكل الدرجات تقريبا ونقول هذا هو لبنان!
وحينما تتأزم فيه الأوضاع السياسية ويقف فيه النصف +1ضد النصف-1، أو الكل ضد الكل بسبب تراجع الروح الوطنية اللبنانية لحساب العصبية الطائفية أو الخندقة السياسية بما هو ضد المنطق وفوق الواقع، يبدو كلوحة سيريالية ونقول هذا هو لبنان!
الحالة الوحيدة التي تبدو الساحة اللبنانية لوحة تجريدية هي حين تختزل الكليات في الجزئيات وحين تتبدل الأصول بالفروع، ويختزل الوطن في الطائفة أو الحزب، وتختزل الطائفة في شيخ الطائفة والحزب في زعيم الحزب، حينها تبدو الرموز وكأنها الوطن ويضيع الشعب صاحب الوطن!
لبنان في الواقع ظل وسيبقى يحاول أن يظل صيغة فريدة للتعايش المشترك، وساحة مفتوحة للحريات العامة والخاصة إلى أوسع مدى بين طوائفه الدينية العتيدة، ومذاهبه الدينية العديدة وتياراته السياسية العنيدة.
من هنا يبدو لبنان بلد الحريات والتناقضات، وأيضا التحالفات والائتلافات، والمتغيرات والتقلبات.. والعجيب أن تقسيماته هي سر تحالفاته، واختلافاته هي سر ائتلافاته، وتناقضاته ما لم يحكمها عقلاؤه بالعمل السياسي وبالحوار السلمي هي سر مواجهاته الدامية أحيانا، وهي غالبا سر استمرار توازناته رغم كل أزماته.