قد يصل سعر النفط فعليا إلى مئة دولار، فمنذ أوائل هذه السنة وأسعار النفط في ارتفاع مستمر تنبئ بانتهاء عصر الطاقة الرخيص، الذي تربع النفط على قمته باقتدار قرابة القرن من الزمان. إن أسعار البرميل من النفط قد زادت مئة ضعف تقريباً خلال نصف قرن، فتلك الأسعار لم تكن أبداً تتجاوز الدولار الأميركي الواحد خلال حقبة الخمسينات وأوائل الستينات.

ثم كانت حرب أكتوبر المجيدة، ليكتشف منتجو النفط - وجلهم من العرب - أن بيدهم سلعة إستراتيجية تهز العالم.

وعانت أسعار النفط من ويلات الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت لثمانية أعوام، ثم لترتفع فجأة بعد احتلال الكويت، ولتشهد تقلبات بين صعود وهبوط، حيث وصلت إلى العشرة دولارات فقط في أعوام قليلة خلت، وتحديداً في العام 1998.

ثم كانت حرب العراق وما رافقها من توقف للنفط العراقي وغيرها من العوامل ليبدأ النفط رحلة الصعود المستمرة. إن أقصى أمنيات منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) قبل ثلاث سنوات فقط كانت إبقاء أسعار «سلتها النفطية» في نطاق يتراوح بين 22 دولاراً إلى 28 دولاراً للبرميل، بحسب تقرير للبي بي سي البريطانية(3 /6/ 2004).

وهذا الارتفاع الجنوني ليس دون سبب، بيد أن أسبابه مختلف عليها، فمنظمة أوبك التي تنتج أكثر من 30 مليون برميل من هذه المادة السوداء يومياً، تلقى باللائمة في ذلك على الاستثمارات الضخمة التي تضخها الصناديق المالية في أسواق المضاربة على النفط إلى جانب ضعف الدولار والقيود الكثيرة التي تضعها الدول المستهلكة المتقدمة على بناء مصافي تكرير جديدة، فقلة المكرر من النفط مثلاً قد أوصل جالون البنزين في أميركا إلى ثلاثة دولارات.

في حين أن الرأي السائد في الدول الغربية وعلى وجه الخصوص في الولايات المتحدة الأميركية، أن دول الأوبك الثلاث عشرة لا تبذل ما فيه الكفاية لزيادة إنتاجها لمواكبة ازدياد الطلب العالمي بالذات بعد دخول كل من الصين والهند كمستهلكَين رئيسيين.

ولا ننسى العوامل السياسية كعدم الاستقرار في أكثر من بقعة منتجة من العالم كنيجيريا والعراق، ثم فوق هذا وذاك، التهديدات الأميركية المتكررة بضرب إيران، وهو إن تحقق فسيقفز بالأسعار إلى مئتي دولار للبرميل الواحد، بحسب الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، بل ربما إلى ثلاثمئة دولار كما أشار الخبير الإستراتيجي عدنان العاني لجريدة الكرستيان سينس منيتور (19 /11).

ومن الصعب إبعاد سلعة أساسية تحرك عجلة الاقتصاد العالمي من التجاذبات السياسية، ولقد ظهرت أهمية النفط السياسية باكراً مع تطور الميكنة في المجالين السلمي والحربي، وأصبح تأمين السيطرة على منابعه وطرق مواصلاته حافزاً للتنافس بين الدول الاستعمارية الكبيرة منذ مطالع القرن العشرين. وكان سيطرة الحلفاء على مصادر إنتاج النفط وتكريره سبباً رئيسياً في خنق ألمانيا الهتلرية والقضاء عليها.

وحملت معركة التأميم، التي انطلقت من المكسيك في ثلاثينات القرن الماضي طابعاً سياسياً إلى جانب مضمونها الاقتصادي بالطبع. فالولايات المتحدة الأميركية لم تغفر لمصدق تأميمه للنفط الإيراني في بداية الخمسينات، وهو التأميم الذي أصبح نموذجاً في المنطقة والذي قاد في نهاية المطاف لعودة النفط لأصحابه الشرعيين.

وقد حمل تجمع بعض الدول الرئيسية المصدرة للنفط في العام 1960 وهي إيران والمملكة العربية السعودية والعراق والكويت وفنزويلا، وإنشائها لمنظمة أطلق عليها اختصاراً أوبك، حمل في حد ذاته مضموناً سياسياً، حيث اعتبرته أوساط غربية عديدة ولازالت «تجمعاً احتكارياً» لا بد من القضاء عليه!! وازداد عدد أعضاء هذه المنظمة ليصل إلى ثلاث عشرة دولة، القاسم المشترك بينها اعتمادها على النفط بشكل مطلق.

وهذه المنظمة هي ذاتها لم تخل من التجاذبات السياسية، فثمة خط تقوده دول الخليج العربي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، التي يشكل إنتاجها 30% من إنتاج الأوبك، تقود خطاً معتدلاً تحاول فيه إبعاد النفط كسلاح وإبقائه في دائرة المصالح الاقتصادية للدول المنتجة والدول المستهلكة على حد سواء.

وهناك جبهة أخرى ترى في النفط أداة من أدوات الضغط السياسي. ولقد ظهر الاتجاهان بوضوح في مؤتمر أوبك الأخير الذي عقد في الرياض والذي حضره رؤساء دول المنظمة، الذين قلما يحضرون بأنفسهم مثل هذه الاجتماعات.

وهذه الجبهة تمثلها كل من إيران وفنزويلا والإكوادور. ويبدو أن فنزويلا أكثر هذه الدول تطرفاً، حيث أنها في المؤتمر الأخير طرحت بيع النفط بخمس سعره لدول العالم الثالث الفقيرة المستوردة له، وهو اقتراح لم توافق عليه حتى حليفتها إيران.

ولعل زيادة أسعار النفط وما يترتب عليها من تصاعد إيرادات الدول النفطية، ومنها دولنا الخليجية، لفرصة تاريخية للاستفادة من الأموال الضخمة التي بدأت تتراكم في المدة الأخيرة وضخها في مشاريع اقتصادية تهدف في المقام الأول إلى تنويع القاعدة الإنتاجية.

وثمة بوادر جيدة في هذا المجال، كما جاء من معطيات ندوة «البيان» الاقتصادية في الثاني والعشرين من هذا الشهر، إذ أشار عبد الجليل درويش (أحد المشاركين فيها) إلى أن قيمة المشاريع المنفذة حالياً في القطاعات الصناعية بخلاف قطاعي النفط والغاز على مستوى دول المجلس تبلغ 115 مليار دولار.

ولا شك أن تلك الزيادة تخلق مشكلات أيضاً ومنها التضخم، فبحسب المهندس يحيى آل لوتاه ( مشارك آخر ) فإنه إذا ما كانت مدخولات الأفراد قد زادت بنسبة 20% فإن الأسعار زادت إلى أكثر من 40%.

ولو علمنا بأن معظم القوة العاملة الوطنية في دولنا الخليجية تعمل في القطاع الحكومي، الذي يتسم بثبات أجوره ورواتبه النسبي، لعلمنا مقدار التحديات التي تواجهها دولنا في الزيادة الدورية للرواتب والأجور لتتواكب مع اطراد التضخم وتصاعده. ولعل الحركة المطلبية التي برزت مؤخراً في الكويت لمثال واضح على ذلك.

وأخشى ما يخشاه المراقب، أن تغرى الإيرادات الضخمة التي تتدفق على دول منطقتنا بالاستمرار في سياسة الاعتماد على مصدر واحد وهو النفط، تلافياً لاستحقاقات عملية التنويع الاقتصادي التي تتطلب تطويراً في الإدارة الحكومية فضلاً عن تطوير في العمالة الوطنية وزجها في القطاعات المنتجة والتي تتطلب إما تأهيلاً أو إعادة في تخصصات ينفر منها شبابنا لتوفر «الوظيفة الحكومية» التي تساير النظرة الاجتماعية السائدة.

وخلاصة القول، فبقدر ما تسهل زيادة أسعار النفط ونمو مداخيلنا منها خططنا نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فهي بالقدر ذاته تضعنا أمام تحديات جديدة تتطلبها عملية التنمية تلك، والفائز من يقبل التحدي.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com