هل يوجد في الولايات المتحدة ما يمكن أن نطلق عليه «الوطنية الأميركية»؟

بمعنى: هل هناك نخبة أميركية تعتنق عقيدة بأن تحرك الولايات المتحدة ينبغي أن ينبع من المصالح الوطنية الحقيقية للشعب الأميركي وليس من اعتبارات أمن إسرائيل ومصالح الحركة اليهودية الصهيونية العالمية؟

هذا السؤال أصبح الآن مثار جدل متنام في قسم من الصحافة الأميركية والصحافة اللندنية.

أحدث مقالة في هذا الصدد كتبها أكاديمي أميركي ونشرت في صحيفة «فاينانشيال تايمز» النخبوية البريطانية هو البروفيسور أناتول لايفين.

السؤال المحوري الذي يطرحه الكاتب هو: لماذا تعزف الولايات المتحدة عبر الرئاسات المتعاقبة في واشنطن عن ممارسة ضغوط على إسرائيل لحملها على تليين تصلبها وعنادها نحو تقبل تسوية سلمية عادلة تسمح للفلسطينيين بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة؟

وفي سياق هذا التساؤل يلاحظ البروفيسور لايفين انه حتى الآن فإن فكرة أن الولايات المتحدة تقوم بدور وسيط نزيه بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي «تعتبر إهانة لذكاء البشر». ومن ناحية أخرى، يضيف الكاتب، فإن استمرار الولايات المتحدة كمؤيد وداعم لإسرائيل بلا حساب يجعل الدولة الإسرائيلية في موقف الأقوى على الدوام.

ويعيد الكاتب طرح السؤال المذكور بصيغة مباشرة: هل الولايات المتحدة على استعداد للتوجه نحو ممارسة ضغط على إسرائيل؟

وإذ لا يقدم البروفيسور إجابة مباشرة فإنه يوجه انتباهنا إلى كتابين صدرا مؤخراً في الولايات المتحدة قائلاً: إنهما يعرضان صورة غير مشجعة.

الكتاب الأول من تأليف أستاذين أكاديميين هما جون ميرشايمر وستيفن والت وعنوانه «اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية». والكتاب الثاني من تأليف كاتبة بريطانية هي فيكتوريا كلارك بعنوان «صعود الصهيونية المسيحية» وتتحدث فيه الكاتبة عن أنصار إسرائيل من الأصوليين المسيحيين.

ويعلق البروفيسور لايفين قائلاً: إن ما يلفت الانتباه بالدرجة الأولى بالنسبة إلى الكتاب الأول هو مقدار الشجاعة التي دفعت المؤلفين إلى كتابته. وما نفهمه من هذا التعليق أن الكاتبين ركبا مخاطرة جسيمة بأن الكتاب قد يؤلب عليهما الحركة اليهودية الصهيونية لدفعهما بتهمة «معاداة السامية».

ثم يضيف الكاتب قائلاً: إن ارتضاء الكاتبين دخول هذه المخاطرة يبعث أملاً بحض المزيد من الصحافيين والمثقفين الأميركيين على فتح نقاش ديمقراطي حول الدعم الأميركي لإسرائيل.

الكتاب الثاني لا يتحدث فقط عن تأييد بعض الأميركيين (الأصوليين المسيحيين) لأشد القوى تطرفاً في المجتمع الإسرائيلي وإنما يثير أيضاً قضية الديمقراطية داخل أميركا من حيث إن «جماعات» معينة تهدد حرية التعبير بممارسة الإرهاب الفكري ضد منتقدي إسرائيل.

وفي هذا الصدد، تقول الكاتبة، إن الكثيرين من «الصهاينة المسيحيين» يستغلون حججاً من «التوراة» لتبرير التطهير العرقي وعمليات الإبادة التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. ما المخرج؟

البروفيسور لايفين يعود بنا هنا إلى «الإرهاب الإسلامي» كمهدد للأمن القومي الأميركي مستخلصاً الآتي:

إذا كانت «الوطنية الأميركية» حريصة فعلاً على المصالح والأرواح الأميركية، وترى أنها معرضة لخطر من التطرف الإسلامي فإن من الجنون إعطاء هذا الخطر مبرراً عن طريق مواصلة دعم إسرائيل ضد الفلسطينيين على حساب المصالح القومية للشعب الأميركي.

من هنا يتساءل الكاتب أخيراً: لماذا وقعت هجمات سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن؟ ألم يكن الأجدر بنا البحث عن السبب الجذري ومعالجته قبل شن حرب عالمية على «الإرهاب»؟

ويبقى السؤال الأخير الذي لم يطرحه المؤلف صراحة: متى تتحرر الولايات المتحدة من النفوذ الإسرائيلي؟