المشهد الذي تابع العالم فصوله، من أنابوليس، مألوف، بدأت حلقاته مع تلك اللقطة التاريخية، في حديقة البيت الأبيض، خريف 1993، مصافحة إسرائيلية ـ فلسطينية، الرئيس الأميركي في الوسط يشد على يدي المتصافحين، تتوالى الخطب حول السلام والرغبة في تحقيقه؛ مع الإغداق بالوعود لترجمة الرغبات على أرض الواقع، كل ذلك في جو احتفالي وأمام مشاركة دولية واسعة، تضفي مسحة من الجدية على الحدث وتعزز الآمال والتوقعات بإمكانية بلوغ التسوية.

الرعاية الأميركية، كان من المفترض أن توفر الزخم الكافي للمفاوضات؛ بحيث تبلغ خواتمها المنشودة، لكن النتائج كانت خيبات متكررة، والأسباب معلومة، مراوغات إسرائيل وتعجيزاتها، معطوفة على سكوت الراعي عنها؛ أدت إلى مراكمة الخيبات وتعميق الشكوك، وسط هذا المناخ تم افتتاح احتفال أنابوليس أمس الأول، لذلك لم تكن هناك أوهام، حتى لا نقول مراهنات، وقد كانت في محلها.

خطاب أولمرت؛ مثل خطاب الرئيس بوش؛ كانت مفرداته «الواعدة»، رخوة وضبابية، دارت حول الوعود والتمنيات، وغاب عنها الالتزام، ولم تغادر العموميات، حرصت على اجتناب التفاصيل، في المقابل كانت محددة، في شقها المتعلق بالمطلوب من العرب والفلسطينيين.

وفي الطليعة التطبيع والتسليم بالهوية اليهودية لإسرائيل؛ مع كل ما ينطوي عليه ذلك من ألغام تستهدف عرب 1948 وحق العودة للاجئين، وفي ذلك تأكيد على توجه إسرائيلي قديم يقوم على مطالبة العرب والفلسطينيين بالدفعة الأولى، وقبل أوان الاستحقاق، وكالعادة أيضاً، لم ينس أولمرت التذكير بما دأب أسلافه على المتاجرة به في مثل هكذا لحظات.

وهو ما يسمى «بالتنازلات المؤلمة» التي تنوي إسرائيل الإقدام عليها وكأن رحيل المحتل يستحق الشكر والتقدير أو كأنه يعطي من لدنه إلى الآخر وحتى السقف الزمني لم يتحدد بصورة إلزامية مع انه حتى مثل هذا التحديد لا يكفل الانجاز، لقد سبق لأوسلو أن وضع جدولاً مفصلاً بمراحل التسوية من دون أن يتحقق شيء من ذلك، المفقود كان الآليات ومرجعياتها، وتكرر هذا الغياب في أنابوليس.

إسرائيل ومعها واشنطن، يريحهما وضع المفاوضات في صيغة «عملية سلام». فهو تعبير مفتوح على الزمن ومتحلل من الآليات الضامنة لإعادة التفاوض إلى سكته، عند وقوع خلل في مسيرته، أو عند وقوعه في الشطط المتعمد.

ومن هنا تشديد أولمرت على ثنائية المفاوضات وعلى أن تجري في إسرائيل والضفة، أي بعيداً عن عين المراقب والمصحح؛ فضلاً عن وجود الحكم المخول بضبط محاولات الخروج عن خط الالتزامات، خاصة وأن انهيار جولات التفاوض، فيما مضى حصل في غياب صمام أمان من هذا النوع.

والإصرار على تغييبه أيضاً في هذه المرة، يرجح كفة ضم أنابوليس إلى سابقاتها من أوسلو إلى واشنطن مروراً بواي ريفر ثم شابرتاون وانتهاء بشرم الشيخ المكرر، ناهيك بكامب ديفيد 2 قبل سبع سنوات.

مع ذلك يزعم الرئيس بوش أن الظروف اليوم مختلفة ومواتية، وهو يكرر كلامه حول التزامه «الشخصي» برؤية حل الدولتين، وضع ثقل الرئاسة في الميزان لعقد أنابوليس؛ الذي لم يذهب إلى أبعد من اعتباره بداية أو «انطلاقة» لمفاوضات حول مسائل التسوية النهائية، المتفاوضون دخلوا غرفة الامتحان، الأنظار على الغرفة بقدر ما هي على البيت الأبيض، واللحظة كما قال الرئيس الفلسطيني لن تتكرر، كلفة الفشل هذه المرة فوق الاحتمال؛ في ظل أوضاع المنطقة المعلومة. فهل يصدق ما سمعته الأذن ورأته العين أم أن المشهد سراب بسراب كالعادة؟