ليس من المبالغة في شيء القول بأن بدء فعاليات مؤتمر انابوليس للسلام في الشرق الأوسط أمس وبحضور أكثر من خمسين دولة ومنظمة دولية، وعلى نحو يجمع كل الاطراف المعنية بهذه المنطقة الحيوية، هو في حد ذاته جهد وخطوة ايجابية تحسب للادارة الامريكية ولوزيرة الخارجية الامريكية كونداليزا رايس التي قامت بالعديد من الزيارات واللقاءات رفيعة المستوى مع قيادات المنطقة والعالم من اجل تأمين مشاركة واسعة في هذا المؤتمر.

وفي حين تحظى اجتماعات انابوليس، بما في ذلك اللقاءات الثنائية والمتعددة الاطراف التي تعقد على هامشه باهتمام ومتابعة يقظة من جانب الكثير من الاطراف الاقليمية والدولية، نظرا لأهمية ما يمكن ان يتمخض عنه من نتائج، فان من أبرز النقاط ذات الاهمية الكبيرة بالنسبة لعملية السلام في الشرق الأوسط نقطتين أساسيتين:

النقطة الاولى هي ما اكد عليه الرئيس الامريكي جورج بوش، قبل انعقاد المؤتمر وفي كلمته الافتتاحية كذلك امس، من تمسك بحل الدولتين، دولة فلسطينية ودولة اسرائيلية كاساس للتسوية، وفي ضوء الاسس التي تقوم عليها عملية السلام.

وأهمية هذه النقطة تتمثل في انها تجعل من قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة والقادرة على القيام بدورها في بناء حياة افضل للشعب الفلسطيني، امرا اساسيا ومفروغا منه. وعلى ذلك يكون مؤتمر انابوليس قد عزز من أهمية وضرورة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.

أما النقطة المهمة الثانية فانها تتمثل في ان مؤتمر انابوليس والمشاركة العربية والدولية الواسعة فيه تعبر عن حقيقة ان ارادة صنع وتحقيق السلام في المنطقة تزداد على نحو واضح ومتسع، وربما أكثر من اي وقت مضى، وهو تطور من المهم والضروري الاستفادة منه الى أقصى قدر ممكن، سواء داخل جلسات المؤتمر أو خلال الفترة القادمة.

واذا كانت الرغبة في السير نحو التوصل الى تسوية عادلة في الشرق الاوسط قد ظهرت وازدادت قوة ووضوحا بعد عقود طويلة من الصراع والحروب والصدامات التي لا تزال متواصلة بشكل او بآخر حتى الان في الاراضي الفلسطينية المحتلة، فان كل شعوب المنطقة تتطلع الى السلام والاستقرار والامان والقدرة على العيش باطمئنان ودون اية تهديدات حتى تتمكن من بناء حياة كريمة لابنائها.

وفي ضوء ذلك فان العمل الجاد والمخلص من اجل التوصل الى تسوية عادلة، سواء على المسار الفلسطيني الاسرائيلي او على المسار السوري الاسرائيلي واللبناني الاسرائيلي، هو في جانب منه استجابة لارادة شعوب المنطقة ومساعدة لها في بناء حياة افضل لها الان وفي المستقبل.

وفي هذا الاطار فانه في ظل ما هو معروف من ان مؤتمر انابوليس هو بمثابة تدشين او اطلاق لعملية تفاوض جادة وشاملة، خاصة بين الفلسطينيين والاسرائيليين، فانه من الاهمية بمكان التأكيد على ضرورة ان تتسم المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية بأقصى درجات الجدية والالتزام والرغبة الحقيقية في التوصل الى تسوية عادلة تتطلع اليها كل شعوب المنطقة كمدخل للسلام الشامل في المنطقة.

ومع الوضع في الاعتبار ان ذلك يلقي الكثير من المسؤولية على عاتق الفلسطينيين والاسرائيليين، فانه من المهم والضروري ان تضطلع الادارة الامريكية بدور حيوي وبناء لحمل الطرفين، وخاصة اسرائيل باعتبارها الطرف المحتل للاراضي الفلسطينية، على التوصل الى تسوية قادرة على تحقيق السلام والاستقرار واقامة الدولة الفلسطينية.

ومع عدم اغفال الدور الذي يمكن ان تقوم به لجنة المتابعة التي ستتشكل في المؤتمر، الا ان الدور والتأثير الامريكي مهم وضروري خاصة وان واشنطن هي التي يمكنها دفع اسرائيل الى ما يسهم في التوصل الى اتفاقيات تحظى بالقبول العام والتأييد من جانب الاطراف المختلفة وهي مسألة لا غنى عنها في الواقع.