رسبت الطبقة السياسية اللبنانية بــ «امتياز» في امتحان التوافق والتسامي فوق الجراح وتغليب المصلحة العليا للوطن، ومرت المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد دون أن يتمكن مجلس النواب اللبناني من انتخاب خلف للرئيس المنتهية ولايته.

رغم الفرص العديدة والجهود المكثفة التي بذلت دولياً وإقليمياً ومن قبل بعض الأطراف المحلية لتجاوز هذا الاستحقاق المفصلي، ليس بالنسبة للبنان فحسب، وإنما لكل المنطقة المصابة بنقص المناعة وبالحساسية المفرطة تجاه أي خلخلة سياسية أو اضطراب أمني يتعرض له أي جزء منها، وخاصة لبنان الذي يعتبر «ترمومتر المنطقة» ويمثل بوابة محورية لاستقرارها ومدخلاً أساسياً لأي خلل يصيبها.

أصبح العجز السياسي سيد الموقف وتربع الفراغ في سدة الرئاسة بلا منازع، حتى اللحظة وحتى غد وبعد غد على الأقل، بل إن هناك من أظهر الولاء والطاعة ل«فخامة الفراغ» وسيادة العجز المنكر وغير المبرر، متحدثاً عن «فراغ منظم» أو عن «توافق ضمني» على التهدئة.

لكن، هل هو عجز اللبنانيين وحدهم أم هو العجز العربي الشامل الذي أوصلنا جميعاً إلى ما نحن عليه من خلافات ونزاعات، واعتماد كلي على الآخر الأجنبي واستكانة مفرطة في انتظار أوامره وإملاءاته؟

وهل قدم العرب كل ما يجب أو ما هو ممكن لمساعدة لبنان العربي على تجاوز محنته وشلله وانقساماته؟ أم أن بعض العرب ساهم في تأزيم الوضع اللبناني بينما بقي آخرون متفرجين وكأن ما يجري في لبنان يقع على كوكب آخر وربما في مجرة غير التي نحن جزء منها؟!

ألم يكن بإمكان قادة الدول العربية أن يعقدوا قمة طارئة أو لقاءات موسعة تخصص لمعالجة الوضع اللبناني وإيجاد مخرج من أزمته الراهنة، بدلاً من تركه مترنحاً على فوهة بركان لا أحد يستطيع أن يقف في وجه حممه أو يتحكم في مساراته إذا ما ترك للانفجار لا سمح الله؟

لا شك أن المسؤولية الأولى والأكبر في ما يعانيه لبنان تقع على السياسيين اللبنانيين أنفسهم، لكن ذلك لا ينفي ولا يلغي حقيقة أن الحالة اللبنانية إنما هي نتيجة وانعكاس لواقع عربي مأزوم ومشلول.

وبالتالي فإن على الدول والحكومات العربية مسؤولية كبرى تجاه لبنان بلداً وشعباً، إن لم يكن من أجل هذا البلد الشقيق والتزاماً بما يمليه واجب الأخوة والجوار، فعلى الأقل من باب درء ومواجهة المخاطر الكبيرة التي لن تستثني أحداً في المنطقة.

إذا استمر تصاعد الأزمة اللبنانية وانزلقت إلى ما هو أبعد من المواجهة السياسية، سواء بفعل فاعل متربص ومترصّد أو لأي خطأ غير محسوب قد يرتكبه هذا الطرف أو ذاك، في أجواء التشنج وانعدام الثقة التي تسود الساحة السياسية في لبنان!

ويبدو حتى الآن أن الجلسة النيابية المقررة بعد غد الجمعة، لا تحمل الكثير من الآمال بانفراج حقيقي يبدد قتامة هذه الأجواء، وينعش الطقس السياسي الغائم كلياً والمعرض لأنواء خارجية نرجو ألا تصل حد الأعاصير العاصفة والمدمرة.

وقد يكون بقاء الفراغ السياسي في حدوده الحالية، أفضل الخيارات المتاحة في الظرف الراهن، لكن السؤال: إلى أي مدى يستطيع هذا الفراغ أن يصمد في غياب التوافق الداخلي والموقف العربي المساند وضبابية المواقف والأهداف الخارجية؟

فهل يحق لنا، والحال هكذا، أن نبارك للعرب جميعاً، وليس للبنانيين وحدهم، قائدهم الجديد فخامة الفراغ المبجل الذي أنجبه بجدارة عجزهم وتخاذلهم المزمن!

ورغم القتامة الشديدة التي يبدو عليها المشهد السياسي اللبناني بكامله، إلا أن البعض في منطقتنا وفي عالمنا الثالث عموماً ربما يحسدون اللبنانيين على أنهم بلا رئيس، ما دام معظم الرؤساء في هذا النطاق الجغرافي الواسع، إما أنهم طغاة متسلطون أو هم لا يحكمون فعلياً ولا يشكلون أكثر من واجهة شكلية لعصابات أو مافيات هي الحاكم الفعلي المسيطر على كل شيء.

وعلى هذا الأساس قد يتمنى الكثير من هؤلاء قطع رؤوسهم أو رئاساتهم، على قاعدة «قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق»!

ومع ذلك لا تزال في الأفق بقية أمل في أن يستعيد لبنان وعيه وتوازنه، لأن البديل سيكون كارثياً بالنسبة للجميع، داخلياً وخارجياً، ولا أحد يستطيع تحمل تبعاته ونتائجه.

وهذا ما حذر منه البطريرك صفير يوم الأحد الماضي، عندما قال إن لبنان يشهد في هذه الأيام أوضاعاً مصيرية «وقد أصبحنا في فترة انتقالية قد تقودنا إلى الاستقرار، كما قد تقودنا إلى الفوضى والاقتتال».

فهل يتحقق الأمل في جلسة الجمعة المنتظرة، ويعود للبنان وجهه المشرق ودوره الحضاري المألوف؟