ما إن هبطت قوات الغزو الأميركي من الجو والبحر بعد عاصفة الصدمة والترويع ولامست أقدامها أرض العراق وأعلن رئيسها بخيلاء الطاووس «انتهاء المهمة».
حتى بادرتهم المقاومة العراقية بالرد الذي فاق كل التوقعات. ووضعت أساطير التكنولوجيا والقوة البرية والبحرية والجوية جميعها على المحك. والأهم من ذلك كله أنها وضعت منظومات الأخلاق الأميركية كلها أيضاً على المحك.
أسابيع قليلة بعد «انتهاء المهمة» بدأت التداعيات تتوالى على مختلف الصعد. ففي الجانب العسكري هناك انهيار في إستراتيجية التجنيد، وأخذ الجيش الأميركي اليوم يعاني قصوراً بنسبة 40% عن تحقيق هدفه من التجنيد..
كما بدأت القوات المسلحة تواجه مشكلة في الاحتفاظ بجنودها، حيث يصر ما نسبته (30 %) من المجندين الجدد على ترك الخدمة خلال ستة أشهر، هذا الانهيار أدى بالجيش إلى خفض معايير الاختيار والأداء المعتمدة للجندي.
فقد كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مذكرة عسكرية إلى القادة تأمرهم بعدم تسريح الجنود بسبب «ضعف لياقتهم البدنية أو أدائهم غير المرضي، أو بسبب الحمل أو الإدمان الكحولي أو تعاطي المخدرات».
كما عادت وزارة الدفاع للاستعانة «بالشاذين» بعد أن تراجعت عن قانون كانت قد أصدرته عام 1993 «يحظر على هؤلاء إعلان ميولهم الجنسية داخل المؤسسة».
حتى أن الوزارة وبموجب هذه القانون طردت نحو عشرة آلاف عنصر كانوا يشغلون مراكز حساسة في الترجمة والتحليل الاستخباري.
على الصعيد النفسي والمعنوي هناك حالات انهيار صارخة وفي غاية التعقيد والتأثير. حتى إن الأمراض والاضطرابات النفسية والعصبية التي تصيب الجنود أصبحت إحدى أهم المشاكل التي يعاني منها الجيش الأميركي.
إذ تشير الإحصاءات الأميركية إلى أنه منذ عام 2003 جرح أو أختل عقليا (60 ألف) جندي أميركي على الأقل، بل إن تقريراً أميركياً أفاد بأن (30%) من أفراد الجيش الأميركي يُعانون من أَمراض نفسية وعصبية وأن ربع عدد الجنود الأميركيين العائدين من العراق وأفغانستان يعانون من حالات نفسية مرضية.
أما تَقرير المركز الصِحي الأميركي (المسؤول عن مثل هذه الحَالات) الصادر في30 يونيو 2007 فقد أكد ارتفاع إِجمالي حالات الصحة العقلية في أواسط المحاربين الأميركيين (بنسبةِ 58%) من نَحو (64 الفاً) إلى نحو (100) ألف.
في حين أن تقرير لوزارة الدفاع كان قد كشف عن أن أكثر من 10 آلاف جندي أميركي عادوا من العراق طلبوا المساعدة الطبية حتى يتمكنوا من الاندماج من جديد في المجتمع بسبب شعورهم بصعوبة مخالطة الناس دون خوف.
وإحساسهم بأنهم سيتعرضون لتهديد هذا مع العلم بأن هناك (50 %) من الجنود الاميركان في العراق يخفون أعراض أمراضهم النفسية خوفاً من الإضرار بمستقبلهم في الجيش لأن منهم من لا يريد أن يظهر بمظهر الضعيف، ومنهم من يريد أن يحافظ على معاملة قادته الحسنة!!
كان للضغط والإجهاد النفسي تأثيراته السلبية التي طالت الحياة العائلية للجنود ففي عام 2004 انتهى زواج (3325) ضابطا من الجيش الأميركي بالطلاق وبارتفاع بلغ (75%) عن نسبته في عام 2003 وبزيادة أكثر من ثلاثة أضعاف ونصف معدلاته في عام 2000 هذه الأحوال والانهيارات النفسية البالغة أدت بالجيش إلى الاستعانة بأعداد كبيرة من الأطباء والأخصائيين النَفسيين تراوحت أعدادهم مابين (4 ـ 11 ألف طبيب).
ويقول الجيش الأميركي إنه متعاقد في الوقت الراهن مع (600 إلى 800 ) خبير في مجال الصحة العقلية كما أنه يحتفظ بتسع فرق طبية تضم أطباء نفسانيين وأخصائيين اجتماعيين لتقديم المشورة الطبية لمساعدة الجنود على تخطي الضغوط النفسية المنبثقة من الظروف المحيطة.
وفي هذا العام (16 /6/ 2007) أقر الكونغرس رصد (900) مليون دولار لعلاج الجنود الأميركيين نفسيا بحيث يتم التركيز على معالجة الصدمات النفسية لتي تنتابهم إثر مشاركاتهم في الحرب على العراق وأفغانستان.
كما قررت الإدارة الأميركية إجراء المزيد من المسوحات والدراسات الطبية والنفسية على الجنود للكشف عن الأمراض النفسية وعلاجها بشكل سريع قبل أن تؤدي إلى الانتحار (الذي بات يسجل معدلات عالية جداً) مع نشر الوعي بأهمية اللجوء إلى العلاج النفسي.
كل ذلك أدى إلى ارتفاع فلكي في التكاليف المادية والبشرية للوجود الأميركي في العراق وأفغانستان، فقد أشارت دراسة أميركية جديدة بعنوان: (الصدمة والرهبة تضرب بلادنا). (نشرتها محطة التلفزيون الأميركية ديموكراسي ناو «الديمقراطية الآن») إلى أن تكلفة الرعاية الصحية لمتقاعدي حرب العراق يمكن أن تفوق 650 مليار دولار.
مع العلم بأن الخدمات الصحية الملحقة بالجيش الأميركي تعتبر أنه حتى الجنود الأميركيين الذين أصيبوا خلال معارك في العراق أو بفعل هجمات المقاومة وتم إنقاذ حياتهم سيظلون يعانون من فترة طويلة للغاية قبل أن تكون هناك فرصة لإعادة تأهيلهم مرة أخرى.
(بحسب تقرير نشرته صحيفة يو إس توداي)، في حين تقدر كلفة الجندي الأميركي في العراق بـ (ربع مليون دولار) (بحسب الخبير زكي اليماني ـ برنامج بلا حدود: قناة الجزيرة )، فإن الدعوة إلى زيادة عدد الجنود في العراق إلى (200 ألف عنصر) مع إبقائهم هناك مدة خمس سنوات تعني أن تصبح الكلفة للخمس السنوات المقبلة فحسب (250 مليار دولار)!!
هذا في أحسن الأحوال. هذا عدا عن الخسائر غير المتوقعة، والخسائر المترتبة على عمليات المقاومة من تدمير لآليات ودبابات ومروحيات ونفاثات وهذه بالملايين، وغير تكلفة علاج الجرحى ونقل القتلى.
لقد بدأت دائرة تأثيرات المقاومة العراقية على الأميركيين تتسع، وقد وصلت تردداتها هذه المرة إلى الداخل الأميركي، الذي لم يكتف بالضغط من اجل الانسحاب من العراق.
بل إن المقاومة بنجاحاتها وما أوقعته من انهيارات في الجيش والمدنيين الأميركيين على السواء، إنما سلطت الضوء على المشاكل التي يعاني منها الجيش الأميركي ومنها عدم قدرة أقوى بلد في العالم على تعبئة جنوده لدفعهم إلى قلب المعركة.
بالإضافة إلى الانهيار النفسي الذي يعانون منه، ففي الوقت الذي يصر فيه الرئيس الأميركي على توصيف حربه ضد العراق بأنها مهمة ناجحة، فإن أكثر من ثلثي الجنود الذين تم سؤالهم عن رأيهم في الحرب يقولون إن المهمة غير واضحة بالقدر الكافي.
وأن الحرب كانت غير ذات قيمة على الإطلاق، كما يؤكد الباحثون والخبراء أن ما تم الكشف عنه من انهيارات وأرقام إنما تمثل رأس قمة جبل الجليد فقط؛ تلك هي وَرطة أميركا.
إن المدقق في النتائج يلاحظ أن عمليات المقاومة كانت العامل الحاسم الذي يضرب معنويات الجيش الأميركي. وهذا ما أكده تقرير أميركي صدر حديثاً.
فالمقاومة هي التي أدت إلى ارتفاع حجم الخسائر المادية والبشرية الكبيرة في الجيش الأميركي في العراق، وهي التي ساهمت في خلق الانقسام الحاصل في الولايات المتحدة سواء في صفوف القادة أو الرأي العام حول جدوى الحرب على العراق، وهي التي أدت إلى زعزعة القناعات بعدالة الحرب عند الجنود، وهي التي انتزعت الاعتراف الأميركي بعدم القدرة على الانتصار عليها.
برلماني وخبير قانوني أردني