لا أريد أن أكون طرفاً في حالة لبنان التي تلفها التناقضات السياسية بشكل لا يمكن تصوره، ولم نجد في تاريخ لبنان اية حالة شبيهة بهذه التي يمر فيها لبنان اليوم، والكل ينتظر ما الذي ستسفر عنه المتغيرات الجديدة، بسبب مكانة لبنان في القلوب أولاً، وتأثير دوره المستقر على المنطقة ثانياً، والمصير الذي ستحدده إرادة اللبنانيين أنفسهم بعيدا عن التأثيرات الخارجية ثالثا.

ان عهدا سياسيا قد انقضى بمغادرة الرئيس إميل لحود القصر الرئاسي ببعبدا من دون رجعة اثر استكمال الرجل ولايته الثانية في الحكم، وموعد مغادرة زمنه الدستوري برغم كل المحاولات التي جرت لاقصائه عن كرسي الرئاسة بسبب انحيازه إلى أطراف دون أخرى.

ولد إميل جميل لحود ببيروت في 12 يناير 1936، وهو ابن الضابط العماد جميل لحود احد القادة اللبنانيين الذين شاركوا في تأسيس الجيش اللبناني، وفي حركة لبنان التحررية، وعرف عن إميل انه كان ضابطا محترفا بعد ان كان قد انخرط في المدرسة الحربية عام 1956.

وبقي يتدرج في مناصبه العسكرية حتى منحه لقب العماد وتنصيبه قائدا للجيش عام 1989 من قبل الرئيس الأسبق الياس الهراوي، اثر إقصاء ميشال عون القائد السابق الذي كان يمانع اي حكم جديد يتمتع بتأثير سوري.

وقد ساهم لحود بالتعاون بين قواته والقوات السورية بإقصاء عون الذي كان يتحصن بقصر بعبدا، بين عامي 1989 و1998 أعاد لحود بحكم منصبه رئيس أركان الجيش بناء الجيش قوة منظمة غير طائفية بعد أن أصابه الضعف جراء الحرب الأهلية الطويلة.

ثم انتخب لحود رئيسا للجمهورية بتاريخ 24 نوفمبر 1998، فسرّح من الجيش وفقا للتقاليد اللبنانية وقد انقسم عهده إلى فترتين رئاسيتين إذ مدد له لفترة رئاسية ثانية عام 2004.

لقد كانت الفترة الأولى من عهده لا تقارن ابدا بفترة حكمه الثانية نتيجة لازدياد التناقضات وقوة تأثير سوريا في الأولى مع تحرير الجنوب عام 2000.

ولكن الفترة الثانية من عهده شهدت أحداثا خطيرة وتحولات كبيرة وخصوصا تأثير المتغيرات الدولية والإقليمية والمحلية وانعكاساتها جميعا على الساحة اللبنانية، لقد كان عام 2004 مفصلا تاريخيا خطيرا.

وجّه تاريخ لبنان إلى مسارات جديدة، فلقد مدّد للرئيس لحود لفترة رئاسية ثانية بضغط من سوريا وبما يخالف الدستور، مما أدى إلى أزمة سياسية أسفرت عن استقالة الشيخ رفيق الحريري من منصبه رئيسا للوزراء في ذلك الوقت.

وفي 14 فبراير 2005 اغتيل الحريري، وتبعه بشهرين خروج القوات السورية من لبنان، وفتح تحقيق دولي في حادثة الاغتيال، وبدأ ما أصبح يعرف بتحالف 14 آذار وقوى الأكثرية اللبنانية المناهضة لسوريا بمقاطعة إميل لحود بعد فوزهم بأغلبية المقاعد في الانتخابات النيابية، ثم الضغط عليه ومطالبته بالاستقالة.

كما وجهوا إليه تهمة التورط في اغتيال الحريري. لقد بقي لحود ثابتا على قسمه وهو يقيم بقصره في بعبدا، ملتزما بحرفية الدستور.

ولعل من ابرز نقاط الخلاف معه تأكيده مرارا على دعم المقاومة اللبنانية التي يتزعمها حزب الله والذي تربطه به علاقة راسخة، فيرفض لحود نزع سلاحه، وانه يتهم بالخيانة كل من يطالب بنزع سلاح حزب الله. وكم كان منه ان يكون محايدا وسط مختلف القوى المضادة لبعضها الآخر!

ان عهد إميل لحود الذي قفل قبل أيام منتهيا بيوم 24 نوفمبر 2007 لن يكون الا حاملا أوراق العهد الجديد الذي لم تظهر ملامحه حتى الآن وسط تكهنات ومؤامرات وذروة من التناقضات. ان ما حدث من انقسامات سياسية داخلية في لبنان على عهد لحود، وما خسره لبنان من الضحايا والشهداء نتيجة هول التفجيرات والتفخيخات سيكون لها جميعا تأثيراتها على سيرورة مستقبل لبنان.

ونحن نشهد المصير الذي سيحيق بهذا البلد الجميل الذي يعد الرئة الطبيعية التي لا يمكن للشرق الأوسط ان يتنفّس من دونها. فما الذي نريده من لبنان؟

نريده بلدا آمنا مستقرا وقد تخلص من كل مشكلاته وأزماته السياسية، انه لا يحقق ذلك لنفسه في ظل أجواء مكفهرة لا تعرف الا القتل والرعب والموت والخراب، اننا نريده بلدا ديمقراطيا حضاريا له ثوابته الدستورية بعيدا عن اي أجندات إقليمية وتدخلات سافرة بشؤونه الداخلية.

انه مطالب بالتخلص من أعباء ما خلفته كوارث الماضي من دون إيقاظ الأوجاع وخلق الانقسامات والفتن التي لا اول لها ولا آخر، لقد مضى عهد إميل لحود وسافر نحو التاريخ، وبات على اللبنانيين ان يصلوا إلى حلول ناجعة تقيهم شرور حرب جديدة ـ لا سمح الله ـ.

لقد عاش لبنان خلال الفترة الثانية من عهد لحود حالات مأساوية لا يمكن تصوّرها، وكان لبنان هو المرآة التي انعكست عليه تداعيات العراق لما بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، وشهد غزوا إسرائيليا أخفقت مراميه ولكن دفع لبنان ولم يزل فاتورة تلك الحرب التي كلفّته كثيرا.

ولعل اخطر ما مرّ عليه: مأساة التفجيرات والتفخيخات التي حصدت أرواح المئات من اللبنانيين وأسماء قادة سياسيين وإعلاميين بارزين، وآخر حالة مأساوية هي التي تمثلتها تمردات إرهابية في منطقة نهر البارد والتي حسمت بكلفة باهظة!

بصراحة، اننا نخشى على لبنان كثيرا وهو وسط أزمات معقدة حلولها صعبة، وتتداخل فيها صراع الإرادات، وتتبادل على الأرض كل المؤامرات، ان تاريخا جديدا ينتظر لبنان نأمل ان يكون صفحة جديدة تذوب فيه كل المشكلات وتجتمع إرادة اللبنانيين الوطنية على مبادئ وثوابت جديدة خوفا من اي تمزقات جغرافية أو حروب أهلية، ان تاريخ لبنان الحديث على مدى خمسة قرون قد علمنّي بأن هذه البلاد لا يمكنها ان تتلاقى وتتصافي الا بوحدتها الوطنية.

مؤرخ عراقي

moc.limajlarayyas.www