يهل علينا العيد الوطني السادس والثلاثون، وبلدنا يشهد تطوراً كبيراً في مجالات الحياة المختلفة، ونمواً متزايداً في مؤسسات الدولة وقطاعات المجتمع كافة؛ فقد أينعت النهضة المباركة التي بدأت بدولة الاتحاد الرائدة بقيادة الرائد الراحل العظيم الشيخ زايد رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ثماراً طيبة في مجالات الاقتصاد والتعليم والمعرفة والصناعة.
وهذا التقدم المذهل المتسارع يضع أبناء الإمارات جميعاً أمام مسؤولية كبيرة وأمانة عظيمة، فهم اليوم، بعد أن تسلموا زمام وطنهم من أيدي الأجداد والآباء الذين ما بخلوا وما استكانوا، بل أعطوا هذه الأرض عمرهم وحبهم وجهدهم، سيقفون يوماً موقف أولئك الآباء الخالدين ليسلموا أجيال المستقبل شعلة المحبة والولاء والعطاء، فلا بدّ أن تكون الشعلة أكثر اتّقاداً وأعظم نوراً وبهاءً.
ولعل نظرة سريعة على هذه الإنجازات تضعنا أمام حقائق عجيبة أنجزها هذا البلد الصغير، وأصبحت تستقطب اهتمام العالم كله، فبعد أن كانت إمارات هذا البلد معزولة نسبياً عن حركة الحياة والعالم، تعيش في زوايا قصية أصبحت الآن في بؤرة محيطها العربي على الأصعدة الاقتصادية والعلمية والسياسية، مثلما أصبحت محط أنظار العالم في هذا المناخ الجاذب الذي يوفر الحرية والأمن والفرص الإنسانية الكريمة.
إنّ أرض الإمارات اليوم تتباهى بكل الإنجازات التي استطاعت في وقت قياسي قصير أن تحققها، ولعلّ أهمها على الإطلاق تحقيق الرفاهية والأمن للمواطنين، ولعل هذا الأمر لا ينكشف بجلاء إلا إذا وضعت التجربة الإنسان في بقعة أخرى من بقاع الأرض، فهو حينئذ سيشعر بالامتنان لهذه الأرض الطيبة، وستتجلى أمامه نعم الله عليه باهرة لا تنكرها العيون.
ولا شكّ أنه مع كل التقدم في الإنجاز يرتفع حجم التحديات أمام هذا الوطن الصغير، وقد تنبه القائمون على أمر هذه البلاد على التحديات الكبيرة التي تواجه دولتنا الفتية، وقاموا بوضع الخطط الحكومية والمجتمعية لمعالجة الظواهر السلبية التي قد تنجم عن هذه التطورات المتسارعة المذهلة.
فقد وضعت الدولة التشريعات القانونية المناسبة والخطط الأمنية التي تيسر الحرية والطمأنينة والحماية لأصحاب المشاريع والاستثمارات، وتوفر المناخ الذي يفجر الطاقات الخلاقة عند من يقيمون على هذه الأرض المباركة من مواطنين ومقيمين.
ليواصلوا مسيرة العطاء والنماء بكل صدق وإخلاص ومسؤولية مستلهمين تراث القائد الخالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، الذي كان يرى في الإنسان الإماراتي الذخر والذخيرة قولاً وعملاً، يؤرقه أن يصل إلى مسامعه حاجة محتاج أو مظلمة مظلوم.
فلا يهدأ له بال ولا يقر له قرار قبل أن يغيث المحتاج ويرفع الظلم عن المظلوم؛ فقد استحق بكل جدارة أن يكون أبا الإمارات ووالدها الذي لا يغيب ولا يخبو نور عطائه الصادق.
إن التحديات أمامنا كبيرة ونحن نواجه هذا التطور الكبير في زمن العولمة، وإن التبعات علينا حكاماً ومحكومين أكثر من جسيمة وهذا يقتضينا أن نكون يقظين نفتح أعيننا على آخرها على ما يترتب على هذه التحديات، التي أرى أنّ من أهمها على الإطلاق البعد الديموغرافي.
فاختلال هذا البعد يشكل خطراً محدقاً يحتاج إلى وضع خطط قصيرة الأمد وبعيدة المدى لمحاصرة هذه الظاهرة الخطيرة، وهذا أمر لا تقتصر مسؤوليته على الدولة وحدها، بل لعل المسؤولية الكبرى تقع على عاتق المجتمع نفسه، وعلى عاتق القطاع الخاص.
فمن حق الوطن على المواطنين أن ينبذوا الأنانية والمصالح الشخصية الضيقة، وأن يبذلوا مزيداً من الجهود للمشاركة في الحد من هذه الظاهرة؛ فليس من المعقول أن يكون في بيت لا يتجاوز عدد أفراده الثلاثة أن يكون في خدمتهم ما يزيد على الخمسة.
ولعل الالتفات إلى المهن والحرف، وتربية النفوس على احترامها وتقدير من يمتهنها يعدّ من أهم الغايات التي يجب أن نعمل على تحقيقها وترسيخها في فكرنا.
فكم تكون سعادة المرء حين يرى شاباً من الوطن يطرق بابه استجابة لطلبه في إصلاح عطل ما في خط الهاتف أو غيره، إنّ الإنسان يشعر حينها بالأمن والرضا، فأن نضع أمر البلاد بين يدي أبنائها في كل المجلات والميادين.
وأن نبثّ الشباب والشابات في كل بقعة من بقاع العمل على أرضنا الطيبة، فلا تكون حصراً على جنسية تحتكرها وحدها، من دون أن نربيهم على النظرة التمييزية في تصنيف المهن والأعمال، لأمر جدير بأن نلتفت إليه وأن نوليه جزءاً من اهتمامنا.
إننا في حاجة إلى أن نمتهن الحرف التي نأنف من احترافها، وعلى الدولة أن تشجع المهنيين من أبناء الإمارات بالدخل المشجع المناسب.
وإذا كانت دولة الإمارات تستقطب عدداً كبيراً من جنسيات العالم الباحثين عن العمل والحرية والأمان، فإن العائد يجب أن يكون متبادلاً؛ أن يحصل المقيم الباحث عن طموحاته على ما يريد، وأن تستفيد الدولة والمجتمع بجعله يحتك بثقافة البلد ولغتها.
وأن يكون قريباً من عاداتها وتقاليدها وجوهر حضارتها، جميل أن يكون معظمنا يجيد اللغة الإنجليزية أو غيرها محادثة على الأقل، ولكن من الأهمية القصوى أن تتعرف هذه الأعداد الكبيرة إلى لغتنا التي بها وحدها يستطيعون أن يتغلغلوا في جوهرنا وثقافتنا ويستطيعوا أن يكونوا رسل خير لنا في كل مكان يذهبون إليه.
وأمر في غاية الأهمية لا أراه يغيب عن بال القائمين على أمر هذه الدولة وهو وجود صندوق أو صناديق للأجيال القادمة؛ فالأجيال القادمة في أعناق هذا الجيل، لا بد لهذا الجيل الباني من أن يدخر للأجيال القادمة ما ينهض بحياتهم وطموحاتهم لتحقيق مكانة لائقة لهم تحت الشمس في مستقبل العالم الكبير المحفوف بالمخاطر والنذر المرعبة.
إن التخطيط للمستقبل لا يمكن أن يغفل مسألة الأجيال القادمة ونحن نحتفل بالعيد الوطني السادس والثلاثين. فازدهارنا وتقدمنا وأمننا وأماننا وحريتنا يجب ألا تكون حجاباً لتحديات المستقبل الزاهر بإذن الله.
إننا اليوم نحتفل بعيدنا الوطني ونحن لا ننكفئ على ذواتنا وإنما نعيش في قلب العصر، نمد أيدينا إلى إخوتنا في مشرق الوطن العربي ومغربه ونؤازر القضايا العربية والإسلامية، ونعتز بحمل الهم الإنساني في كل مكان مثالاً صادقاً لجوهر حضارتنا العربية الإسلامية التي ورثناها جيلاً بعد جيل.
جامعة الإمارات
<a href="mailto:Ltfibrahim@yahoo.com >Ltfibrahim@yahoo.com
