لأن المسلمين والمسيحيين يشكلون ما يزيد على نصف سكان العالم، فإنه لا يمكن أن يسود السلام دون عدالة، ولا يمكن أن يسود العدل والسلام في العالم إلا بسيادة العدالة والسلام بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي.

ولا سبيل إلى تصحيح سوء الفهم كل للآخر الذي يطبع مسار العلاقة بين العالمين إلا بإحقاق ما هو حق وإبطال ما هو باطل، ولا توجد مرجعيات ولا معايير حاكمة وصحيحة لذلك إلا على هدى من رسالات السماء الداعية إلى الحق والعدل والسلام.

إن الرسالة الإسلامية السماوية الصحيحة التي بشر بها النبي محمد عليه الصلاة والسلام، والرسالة المسيحية السماوية الصحيحة التي بشر بها النبي عيسى عليه السلام، والرسالة اليهودية السماوية الصحيحة التي بشر بها النبي موسى عليه السلام، استهدفت نشر الخير الإنساني وحصار الشر البشري للعالمين قبل أن يسعى لاختطاف أو تحريف أو تشويه أي منها المستعمرون والظالمون والمستغلون والمتعصبون والسياسيون.

ولأن هذه الرسالات السماوية النقية نبعت من مصدر واحد هو الله الواحد، واستهدفت غايات سامية واحدة، فإن مساحة الأرضية المشتركة التي تقف معا عليها أكبر من المساحة التي تقف عليها كل منها بمفردها.

وأن ما يجمع بينها أكثر مما يفرقها، وأن ما يآخي بينها أكثر مما يورطها بالعداء أو الجفاء للأخرى، ومن هنا تبدو أهمية الحوار بدلا من المواجهة، لإزالة سوء الفهم التاريخي والفكري الذي طبع العلاقة بين أتباع الأديان عبر القرون.

وفى الأيام الأخيرة حدثت في الإمارات بادرة شجاعة ونبيلة وغير مسبوقة بين الطرفين، غاية في الأهمية نشرتها وسائل الإعلام الإماراتية ونقلت عنها وسائل الإعلام العالمية، ينبغي البناء عليها والسير على طريقها ودعمها من جانب كل المؤسسات الدينية والسياسية والأكاديمية والثقافية والإعلامية حتى تبلغ أهدافها لصالح تحقيق الحق والعدل والسلام ليس على مستوى المسلمين والمسيحيين فقط بل على مستوى العالم كله.

ففي خطوة مسيحية تاريخية كبرى، وردا على مبادرة إسلامية، وصولا إلى «كلمة سواء» بين المسلمين وأهل الكتاب، أعلن ثلاثمئة من الشخصيات المسيحية البارزة الأميركية والأوروبية والعالمية، في وثيقة نشروها بصحيفة «نيويورك تايمز» الأحد الماضي أول إقرار مسيحي «بالآثام التي ارتكبها العديد من المسييحيين بحق المسلمين في الحروب الصليبية» و«بالتجاوزات التي ارتكبت ضد المسلمين فيما يسمى الحرب ضد الإرهاب».

والباعث على التقدير والاحترام، أن هذا الاعتذار المسيحي العالمي التاريخي لم يصدر عن ضغط أو إذعان وإنما عن اقتناع بضرورة إحقاق الحق وإبطال الباطل، وعن ضرورة التجاوب مع المبادرة النبيلة للعلماء المسلمين في رسالتهم المفتوحة للقيادات والكنائس والمؤسسات المسيحية في العالم.

وهو لم يصدر فقط رفضا لحقب طويلة من المواجهة بالعداء والدماء والجفاء بين المؤمنين بالله الواحد من أتباع الديانتين بل أيضاً انتصارا للحوار بين العلماء الأكاديميين الدينيين وتأكيدا لجدواه بعد أن وصل إلى هذه النتيجة التي لم يصل إليها الحوار الإسلامي المسيحي الرسمي مع الفاتيكان، ولا استجاب فيها بابا الفاتيكان لطلب بالاعتذار تصحيحا لمسار العلاقة بين المسيحيين، والمسلمين.

وأجمل وأكرم ما في رد العلماء والأكاديميين المسيحيين على العلماء والأكاديميين المسلمين في صدر الوثيقة الموقعة منهم بالنص هو «أولا طلب المغفرة من الله الرحيم، وثانيا طلب الصفح من الأمة الإسلامية في جميع أنحاء العالم على الآثام التي أذنب بارتكابها العديد من المسيحيين في الماضي وفي الحاضر بحق الجيران المسلمين.

وفى المؤتمر الصحفي الذي عقد بالمجمع الثقافي بأبوظبي أمس الأول لإعلان الترجمة العربية لهذه الوثيقة التاريخية تبين لنا أن الرسالة الإسلامية المفتوحة وقع عليها 138 من أبرز العلماء المسلمين من كل المذاهب والدول الإسلامية في العالم، وأن الوثيقة المسيحية المنشورة وقع عليها 300 من أبرز رجال الدين والأكاديميين المسيحيين من كل المذاهب في العالم ومن بينهم كاثوليك الذين تمثلهم الفاتيكان.

لقد كانت أهم رسالة من ممثلي الجانبين هي الدعوة المشتركة إلى إعادة الدين إلى مكانته العليا ليؤثر إيجابيا في الحياة كلها، وإلى وقف اختطافه أو توجيهه أو الضغط عليه، وإلى مزيد من الحوار ومزيد من التفاهم المشترك ومزيد من العدالة ومزيد من المحبة وصولا إلى السلام في العالم لخير الإنسانية كلها.

mamdoh77t@hotmail.com