أكثر من هو مرتاح هذه الأيام في لبنان هو المواطن العادي، صحيح أن قلق الفراغ في سدة الرئاسة يطاله نتيجة التحذيرات السياسية من مخاطر استمراره على البلاد، إلا أن توازن الرعب القائم بين مختلف الأطراف السياسية المتنازعة يريحه لأنه يدرك بكل حواسه.
ولاسيما تلك التي يصفونها بالحاسة السادسة، أن مرد تحذيرات أهل السياسة يعود إلى مخاوفهم من أن الخسارة ستطالهم جميعا نتيجة الجمود الذي يمكن للفراغ الدستوري أن يقود إليه..
ولذلك فإن لسان حال المواطن اللبناني اليوم هو: «وليكن فليستمر الفراغ ولنستمر من غير رئيس طالما أن الأمر يسبب مخاوف لفظية لا ترتقي إلى مستوى التهديدات الأمنية المتبادلة.
وطالما أن المنطلق الحقيقي لهذه المخاوف هو خسارة أهل السياسة لمصالحهم وليس المخاوف الحقيقية من خسارة البلاد ككل، فهم مغامرون ولكن ليس لدرجة المغامرة بمصالحهم».
وعلى الرغم من انقسامهم بين متفائل ومتشائم حول نتائج مؤتمر أنابوليس غداة انعقاده في الولايات المتحدة الأميركية، فإن اللبنانيين يجمعون على أن نتائج هذا المؤتمر، وما سيستتبعه من مؤتمرات خاصة بحل قضية الشرق الأوسط، لن تكون على حساب لبنان الذي مر طوال سنوات امتدت منذ العام 1975 حتى اليوم بظروف كان لها أن تطيحه لولا أن العالم أثبت تمسكه بوجود لبنان وبدوره طالما أن اللبنانيين متمسكون بهذا الوجود وبهذا الدور.
ويستعيد اللبنانيون في قراءتهم لما يسعى إليه مؤتمر أنابوليس على صعيد الحل النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ذكرى الفتيل الذي أشعل الحرب الأهلية في لبنان في العام 1975 والذي تمثل بالكمين الذي استهدف بالموت عشرات الفلسطينيين فيما عرف يومها بحادثة «بوسطة عين الرمانة».
ويقولون إنهم ينتظرون حلا نهائيا للقضية الفلسطينية منذ ذلك اليوم على أمل إرساء حل نهائي للأزمات اللبنانية التي ما زالت تعصف بهم وببلدهم حتى اليوم.
وللخلاص من آثار عشرات الحروب الداخلية والخارجية التي خاضوها بسبب الدفاع عن القضية الفلسطينية حينا وبسبب القضية الفلسطينية أحيانا، وأنه لا ضير اليوم من انتظار نتائج مؤتمر أنابوليس والبدء بترجمتها عمليا، كسبيل لحل أزمة الفراغ في كرسي رئاسة الجمهورية اللبنانية.
وإذا كانت مخاوف أهل السياسة تدور حول استمرار أزمة الفراغ الدستوري ما بعد مؤتمر أنابوليس، نتيجة المعلن حول تمسك الطرفين المتنازعين، الأكثرية والمعارضة، بمواقفهما من الانتخابات الرئاسية، مما قد يفتح المجال مجددا أمام التدخلات الخارجية في لبنان، فإن مخاوف المواطن اللبناني العادي تنصب على مرحلة ما بعد مؤتمر أنابوليس سواء أصبح للبنان رئيسا أم بقي من دونه.
ومرد هذا القلق يعود للضغوطات والضغوطات المضادة والتداعيات التي قد يتعرض لها لبنان خلال الفترة التي تفصلنا عن انعقاد المؤتمرات الدولية التي ستتفرع عن أنابوليس ولاسيما الخاصة ببحث المسارين السوري واللبناني، وذلك في ضوء التحالف الذي يربط بين المعارضة اللبنانية، أو بعضها.
وكل من سوريا وإيران، والتفاهم الذي يربط بين الأكثرية وكل من الأميركيين والفرنسيين، مرورا بالسعودية ومصر، ومما يزيد من حدة هذا القلق ما قد يعترض تطبيق أي اتفاق قد يتوصل إليه الفلسطينيون والإسرائيليون.
وفيما عملت المواقف المعتدلة لرئيس البرلمان اللبناني نبيه بري ولرئيس كتلة «المستقبل» النيابية سعد الحريري، على فرض أجواء من التفاؤل لدى المواطن اللبناني بأن انتخاب الرئيس اللبناني الجديد حاصل مباشرة بعد مؤتمر أنابوليس.
جاء الموقف الأخير والمفاجئ لرئيس «اللقاء النيابي الديمقراطي» وليد جنبلاط والذي نادى فيه إلى التلاقي مع المعارضة للحفاظ على السلم الأهلي في لبنان، ليعزز بدوره أجواء التفاؤل وليبدد أسباب القلق لدى المواطن، ليس على صعيد انتخاب الرئيس بل على صعيد أية انعكاسات سلبية مستقبلية قد تطال لبنان نتيجة مؤتمر أنابوليس.
وقد شهدت هذه الدعوة ترجمة عملية لها تمثلت باجتماعات تنسيقية على أرض الواقع في أكثر من منطقة بين محازبي جنبلاط ومحازبي مختلف قوى المعارضة لرفع أسباب التوتر في هذه المناطق.
وتبدو آمال المواطن اللبناني معلقة اليوم، على خطوة إلى الأمام يفترض أن يبادر إليها كل من رئيس الهيئة التنفيذية لحزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع والأمين العام ل«حزب الله» حسن نصر الله ورئيس تكتل «التغيير والإصلاح» ميشال عون، تضع جميع القوى السياسية في لبنان.
سواء إصطفت مع الموالاة أو مع المعارضة، أمام مسؤولياتها في رفع أسباب القلق من نفوس المواطنين اللبنانيين، وذلك عبر الاتفاق على شروط حماية الاستقرار الداخلي والحفاظ على السلم الأهلي وأدناها الآتي:
أولا - إرساء قاعدة لا طائفية المؤسسات الدستورية لأن رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء هي لكل اللبنانيين وإن كان على رأسها مسؤول من طائفة محددة، لأن من شأن هذه القاعدة أن تشكل مدخلا لحل جميع القضايا السياسية المعلقة والتي هي موضع خلاف.
ثانيا - وقف التراشق اللفظي بالتصريحات والتصريحات المضادة منعا لانعكاساتها السلبية على المواطن العادي.
ثالثا - تكثيف الاجتماعات السياسية التنسيقية على مستويي القيادة والقاعدة لإبقاء قنوات الحوار الديمقراطي مفتوحة أمام تسوية الخلافات في وجهات النظر حول بعض القضايا السياسية المطروحة.
رابعا - تحصين الوضع الداخلي بما يمنع أية تدخلات خارجية لتحويل لبنان مجددا إلى جزر سياسية وأمنية يسهل التلاعب بها.
خامسا - الاحتكام إلى القوى الأمنية المعنية وتكليفها البت بأي خلاف أمني قد ينشأ بين أي فئة وأخرى. ولا تبدو آمال اللبنانيين، في ضوء هذه الشروط الخمسة، مستحيلة التحقيق لاسيما متى ما أدرك أهل السياسة أنها كفيلة بتحقيق مصالحهم.
وقبل ذلك كفيلة بتحقيق مصلحة لبنان في أن تمر الاستحقاقات الدولية والإقليمية من تزعزع استقراره الداخلي أو تحدث فيه زلزالا سياسيا.. وكذلك تمكنهم من انتخاب رئيس جديد للجمهورية يحكم لبنان فعلا لا قولا.
كاتب لبناني