قبل أشهر قليلة، كنت على موعد غداء في مطعم بأبراج الإمارات بدبي مع الصديق هاري رادلف، منتج البرنامج التلفزيوني الشهير(60 دقيقة) على محطة السي بي إس الأميركية. كان هاري يحدثني عن دهشته بدبي وما تعيشه هذه المدينة المتألقة من سرعة في النمو وفي كل شيء.

وكنت أشرح له كيف أن دبي أغنتنا ـ عند الحديث عن التنمية والإصلاح المرجو ـ في عالمنا العربي عن البحث عن نماذج للتنمية وأمثلة لسرعة الإنجاز في أقصى الغرب أو الشرق إذ غدت دبي «أنموذجاً» حياً يتطلع إليه دعاة الإصلاح في المنطقة.

إن دبي اليوم، كنت أشرح لصديقي الأميركي وفريقه، صارت عاصمة الإبداع في منطقتنا وقبلة للشباب العربي، من داخل البلدان العربية أو من المهجر، للعيش والعمل في عمق المنطقة العربية وبتميز ومهنية على مستوى العالمية.

كان هاري وفريقه قد قدموا لدبي لإجراء عمل تلفزيوني يشرح بعض أوجه المنجز الضخم في دبي ويبحث في السؤال الكبير: كيف تحقق ذلك في منطقة لا تنتج سوى أخبار العنف والحرب والخراب؟ وكانت مقابلة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في قمة طموح منتج البرنامج وفريقه.

وكان هاري، مثله مثل كثير من الصحافيين الغربيين الزائرين لدبي، يسأل عن صحة ما سمعه عن أن بالإمكان رؤية حاكم دبي النشط في الأماكن العامة من غير زحمة المرافقين وبهرجة المواكب.

تذكرت، لحظة السؤال، أن أول مصافحة لي مع صاحب السمو الشيخ محمد كانت فوق المطعم الذي أجلس فيه مع صديقي الزائر وكان اللقاء القصير مع سموه مصادفة بحتة أثناء زيارتي لدبي عام 2003 وتلك قصة تحدث لكثيرين، مع سموه، كثيراً في دبي.

قبل أن نبدأ في الغداء، جاء أحد زملاء هاري إلى طاولتنا مرتبكاً ومندهشاً ومتردداً ثم أبلغنا، وهو غير مصدق، أنه للتو رأى صاحب السمو الشيخ محمد مع اثنين من مستشاريه ذاهبين باتجاه المطعم المجاور. كان صديقي وفريقه في انتظار موعد لمقابلة سمو حاكم دبي ولأن لديهم خبرات سيئة في بلدان مختلفة فقد كان القلق يراودهم في دبي أحياناً خوفاً من عدم التمكن من مقابلة محور المشروع: محمد بن راشد.

سألني هاري إن كنت أؤيد فكرة أن يذهب مع مساعده للسلام على الشيخ سريعاً وإبلاغ سموه بمشروعه الإعلامي في دبي فأيدت الفكرة سريعاً مؤكداً له أننا لن ننتظر عودته للغداء لأنه سيتناول وجبته على طاولة حاكم دبي وكان ذلك ما حدث فعلاً.

وفي رأيي، أن الصورة التي ظهرت بها دبي في برنامج (60 دقيقة)، واحد من أهم وأصعب البرامج التلفزيونية على مستوى العالم، تعد من أنجح التجارب الإعلامية لدبي إذ عكست أن دبي فعلاً قصة نجاح وتميز تعكس في كثير من تفاصيلها (كاريزما) و(رؤية) قائد مسيرتها الحالية .

أعرف أن مهنية الصحافة الدقيقة في الغرب تمنع الصحافي (المهني) من التعبير صراحة عن إعجابه بما يرى حوله لكنني ـ بسهولة ـ أستطيع قراءة نظرات التقدير والانبهار في عيون ووجوه كثير من زائري دبي من صحافيين وإعلاميين من الغرب ومن الولايات المتحدة الأميركية تحديداً.

ولهذا لم أستغرب اتصالات تلقيتها من زملاء في الوسط الصحافي الأميركي مساء الأحد الماضي تسأل عن (دبي العطاء) وعن التبرع السخي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي يوازي ما تحقق لحملة العطاء على مدى أسابيع.

دبي العطاء تعكس ـ من ضمن ما تعكسه ـ أن دبي ليست مدينة من إسمنت وحديد وليست فقط مدينة الأبراج الحديثة ولا التميز الإداري والتجاري والسياحي فقط ولكنها أيضاً (و قبل وبعد كل شيء) مدينة العطاء وفي قلب الهم الإنساني.

وهي أيضاً، حتى في مبادراتها الإنسانية، تظل مختلفة ومتميزة فالفكرة هنا ليست في جمع مبلغ ضخم لعمل إنساني خيري ولكن ـ وهذا الأهم ـ في أوجه صرف هذا المبلغ وكأنها تتناسق مع الحكمة الشهيرة: أعطني سنارة ولا تطعمني سمكة.

وقد سمعت من كثير من الأصدقاء، في دبي وخارجها، أن طريقة الترويج للحملة كانت مؤثرة إلى حد أنها دفعت بكثيرين للتساؤل، عند التفكير بشراء أي من الكماليات: كم من طالب في دولة فقيرة سيستفيد من هذا المبلغ لو ذهب (لدبي العطاء)؟ وأنت تختار.

إن إيقاظ الهم الإنساني بداخل الفرد هو في الواقع موقف حضاري وثقافة نتمنى لو تسود في وقت هيمنت فيه «الماديات» على همومنا وعلى تعاملنا مع الناس ومع الحياة إجمالاً.

ودبي، بمبادرة العطاء، أرسلت رسالة صريحة ومهمة للعالم مفادها أن خير دبي ليس فقط لدبي وأهلها ولكن دبي خير لدبي وللعالم كله.

وأبلغت الشركات العالمية والمستثمر القادم لدبي أن «المسؤولية الإنسانية» مشروع عالمي تؤمن به دبي وتتبناه وهذه الخطوة ـ للأمانة ـ تمنح لدبي أيضاً وجهاً إنسانياً يجب ألا يختفي أو يتلاشى وسط الأبراج الشاهقة والمشاريع الصناعية العملاقة.

لكن التحدي الأكبر لحملة دبي العطاء الرائدة يبدأ مع انتهاء الحملة خاصة وأن كثيرا من البلدان المستهدفة بهذا المشروع الإنساني القدير ـ للأسف ـ قد تفتقد للشفافية والنزاهة حتى في التعامل مع الجهود الخيرية والأعمال الإنسانية.

ولكي تستمر التجربة في نجاحها وتألقها ولكي تكون قدوة للآخرين في المنطقة وخارجها سيكون واحد من التحديات القادمة لحملة دبي العطاء هو في ترجمة المشروع على الأرض بأكبر قدر ممكن من الشفافية والمهنية في بلدان قد تفتقر لأبسط مقومات الشفافية والمهنية.

ذلك تحد كبير أثق أن المنتمين لمدرسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم هم على مستوى التحدي لأنهم ينتمون لمدرسة قائد يقظ لا يقبل غير النجاح والتميز ويثبت كل يوم أن قائداً فذاً مثل حاكم دبي وسيد المبادرات الخلاقة لا يحرث أبداً في البحر.

إنه رجل رفع رأس بني قومه بحجم المنجز و«سباق التحدي» وقائد شهم يبني لأمته مجداً حضارياً وإنسانياً حتى صار نجماً متألقاً في كل محفل للتميز العالمي وعلماً عربياً في كل قائمة رصينة ترصد المميزين والمؤثرين من بناة المجد وناشري الخير.

كاتب ومستشار اعلامي مقيم في دبي

hattlan@post.harvard.edu