هل تتجدد الحرب الأهلية في لبنان؟

أكثر من أي وقت مضى منذ حادثة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وما أفرزت من حرب سياسية متشعبة بلغت ذروتها مطلع هذا الأسبوع برحيل الرئيس أميل لحود من القصر الرئاسي يطرح التساؤل أعلاه نفسه بأعلى درجات الإلحاح.

الآن، مع حلول مرحلة «الفراغ الدستوري» يبدو أن أي طريق في أي اتجاه لحلحلة الأزمة السياسية أصبح مسدوداً، وكأنه لم يبق متاحا سوى الطريق الذي يقود إلى التصادم المسلح.

هكذا تبدو صورة المشهد اللبناني المتحرك المعقد إذا اكتفينا بالنظر إليها من المنظور المحلي فقط. لكن تأمل المشهد من المنظور الأميركي ـ الفرنسي وستبدو الصورة أوضح.

بصرف النظر عن التفاصيل المعقدة التي تعكس التصارع السياسي بين فريقي الموالاة والمعارضة، فإن للولايات المتحدة وفرنسا هدفا واحداً: إلغاء «حزب الله» من على وجه الوجود كتنظيم مقاومة مسلحة ضد إسرائيل وكقوة مدنية ذات بأس سياسي في الداخل اللبناني.

وبما أن واشنطن وباريس تعلمان علم اليقين أن تحقيق هذا الهدف الكبير الخطير بالوسائل السياسية السلمية يعد من رابع المستحيلات، فإنهما في حقيقة الأمر تعملان على تعميق أزمة الصراع السياسي اللبناني لمنع تبلور أي توافق بين القوى المتصارعة حتى لا يبقى أي خيار سوى الصدام المسلح.

بسبب التحريض الأميركي ـ الفرنسي الخفي لقادة فريق الموالاة لحضهم على رفض أي صيغة للتوافق أصبحت الطرق مسدودة في كافة الاتجاهات. وهكذا انتقلت الأزمة السياسية الآن إلى طور أشد خطراً بعد أن دخلت البلاد مرحلة الفراغ الدستوري.

حكومة الموالاة بقيادة السنيورة اختطفت منصب رئيس الجمهورية لدى خلوه بعد أن اعتبرت نفسها صاحبة هذا «الحق الدستوري». وكما هو متوقع فإن فريق المعارضة صار بسبيل تشكيل حكومة موازية.

وبطبيعة الحال.. وفي مجالات تصريف الأعمال السياسية والديوانية فإن من شأن هذه الازدواجية السلطوية أن تؤدي إلى تنازعات، والتنازعات بدورها ستؤدي إلى مصادمات قانونية. فماذا يبقى بعد ذلك لكي تتحول المصادمات القانونية إلى مصادمات دموية؟

نظرياً.. فإن بلوغ حافة الحرب قد يقنع قادة فريق الموالاة أخيراً بالموافقة على إجراء انتخابات عامة نيابية كتجاوب مع مطلب بهذا المعنى من فريق المعارضة، وكمخرج أوحد لتفادي وقوع اشتباك مسلح، أجل هذا هو المنطق النظري للحيلولة دون سفك الدماء.

لكن لأن هذا المنطق سيعني بقاء حزب الله كقوة قتالية تهدد أمن إسرائيل، وقوة سياسية ذات وزن في المسرح السياسي اللبناني فإنه سيتناقض تماماً مع الهدف الاستراتيجي الأعظم الذي تتشارك فيه فرنسا مع الولايات المتحدة.

بإيجاز غير مخل فإن واشنطن وباريس تدفعان بالصراع الداخلي في لبنان في اتجاه حرب أهلية تجد فيها المقاومة الوطنية اللبنانية نفسها موزعة بين الدفاع عن النفس في الداخل والدفاع عن النفس في الخارج، لأنه فور اندلاع الحرب الأهلية ستبادر إسرائيل بشن غزو على الجنوب اللبناني وذلك لتشتيت قوات حزب الله بين جبهتين.

وهكذا تكون هذه بداية النهاية للمقاومة اللبنانية، هذا هو الأمل الأميركي الفرنسي، لكنها ستكون مخاطرة جسيمة.. لأنها قد تسفر في النهاية عن نتيجة معاكسة تماماً لما تتصور واشنطن وباريس.