من بين كل ما صدر عن إدارة الرئيس بوش، حول أنابوليس واحتمالاته والنوايا الحسنة من ورائه؛ ثمة جملة من 6 كلمات، نطق بها سيد البيت الأبيض، تستدعي التوقف عندها. من جهة لأنها مثل العملة غير القابلة للصرف. ومن جهة ثانية وبالاستطراد، لأنها تأتي بمثابة نفض يد مسبق مما قد يفضي إليه هذا المنتدى، من نتائج متواضعة، إذا كان له أن ينتج شيئاً.

خلال استقباله الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، في المكتب البيضاوي أول من أمس؛ قال بوش: «أميركا غير قادرة على فرض رؤيتها»!!

وأضاف: «لكننا قادرون على المساعدة في تسهيل الأمور». بكلمة أخرى وكأنه يقول: إن الولايات المتحدة تملك رؤية للحل؛ لكنها لا تقوى على نقلها إلى حيّز التنفيذ! ولا يحتمل ذلك غير واحد من تفسيرين: إما لأنها لا تتدخل تعففاً؛ وإما لأنها عاجزة عن التدخل!

حِرْص الرئيس بوش على ترديد هذه المقولة، التي طالما تكررت على لسانه، أمام ضيفه الفلسطيني، وقبل 24 ساعة من انطلاق أنابوليس ينطوي على الكثير من المدلولات. في طليعتها أن عملية التفاوض تحكمها لعبة الشروط، التي يعكسها توازن القوى بين المتفاوضين.

وبالتالي على المفاوض الفلسطيني أن لا يأخذ في حسابه إمكانية الاستعانة بواشنطن لإنقاذها من التعجيزات الإسرائيلية. فكل ما يمكن للجانب الأميركي فعله لا يتعدى، ربما، تدوير بعض الزوايا بغية تسهيل تمرير المطالب الإسرائيلية.

فالرئيس بوش كرر التزامه الشخصي، أثناء حفل العشاء الذي أقامته رايس للوفود، بفكرة الدولتين. وهي لازمة ما فتئ يكررها منذ عام 2002. لكن ولا مرة أشار ولو ضمناً إلى التزامه بتحقيق هذه الفكرة. وهو يدرك تماماً، على الأقل في ضوء التجارب المتوالية منذ أوسلو، أنه من غير هذا الالتزام الأخير، تبقى عملية السلام تدور في الدوامة المملّة والخطيرة ذاتها.

الوزيرة رايس، التي قادت التحرك والعمل لعقد هذا المنتدى والتي تقول أوساط أميركية كثيرة إنها عازمة على أن يؤدي أنابوليس إلى تفاوض هادف ومنتج؛ أشارت أكثر من مرة مؤخراً إلى أنها تحظى بدعم الرئيس بوش وموافقته لدفع عملية السلام في هذا الاتجاه.

وكانت قد أكدت في أكثر من مناسبة أن هذا الحدث لن يكون لالتقاط الصور التذكارية فقط. يصبّ في هذا المجرى اعتقاد أوساط هنا وهناك أن الوزيرة رايس، التي حصل ما يشبه الانقلاب في مقاربتها للقضية الفلسطينية بعد هذه السنوات والمستجدات في المنطقة؛ لم تكن لتقدم على هذه المبادرة ـ المجازفة ـ وفي هذا الوقت بالذات لولا حصولها على ضوء أخضر من الرئيس، الحريص على اجتناب المزيد من الفشل في الشرق الأوسط؛ وفي العام الأخير من ولايته.

بحسابات الربح والخسارة، تبدو هذه الحيثيات؛ في محلها. لا شك أن الظروف والمعطيات تغيّرت. وربما تكون قد أدّت إلى تكوين قناعات جديدة وترتيب أولويات مختلفة. لكن من المفترض أن ينعكس ذلك، في حال حصوله، على الخطاب الأميركي كما على مجمل مقاربة واشنطن للتسوية ومستلزماتها.

على رأس هذه المستلزمات الدخول على خط التفاوض مباشرة، بهدف نقل الرؤية ـ التي يقول الرئيس بوش إنه ملتزم شخصياً بها ـ من الورق إلى الأرض. حقيقة طالما تهربت منها الإدارات الأميركية المتعاقبة.

زبغنيو بريجنسكي مستشار الرئيس كارتر لشؤون الأمن القومي قالها صريحة ومن موقع التجربة الملموسة: من دون ضغط أميركي يجبر إسرائيل على القبول بخطة أميركية مفروضة فإن تل أبيب لن تتزحزح، والتسوية لن تتحقق. فلو قال الرئيس بوش إنه لا ينوي فرض رؤيته لكان كلامه قابلاً للتصديق. أما أن يقول: إنه غير قادر، فهذا غير قابل للتسويق.