ليس الخلاف على المشاركة في اجتماع أنابوليس سوى استمرار للخلافات على الرئاسة والحكومة. وكلها فصول في كتاب واحد عنوانه الصراع على موقع لبنان وخياراته الأساسية. فلا ذهاب الدول العربية، وبينها سوريا، الى الاجتماع بقرار جماعي حال دون السجال في بيروت. ولا الفشل الذي توقعته ايران للاجتماع هو ما قادها الى الاعتراض عليه، ومعها حزب الله وحماس وعدد من المنظمات الفلسطينية.
إذ هي تعرف ان من أهدافه سحب ورقة الصراع العربي - الاسرائيلي من يدها. وما يقلقها هو احتمال أن يفتح الباب للنجاح مهما يكن ضئيلاً، وما يمكن ان يحدث على هامشه بين واشنطن ودمشق. والمشاركون العرب يعرفون ان الاجتماع الذي يضم نحو خمسين دولة وهيئة ومنظمة ليس مكاناً للتفاوض على التسوية بل لإطلاق عملية مفاوضات طويلة تتركّز على المسار الفلسطيني، وتصل في مراحل لاحقة الى المسارين السوري واللبناني من دون ضمان النجاح.
غير انهم يرون ان الغياب عن فرصة طالبوا أميركا بفتحها ليس أقل خطورة من الفشل المتوقع. ومن المفارقات ان اللبنانيين المختلفين على المشاركة متفقون على شيء واحد: تأجيل البحث في التوافق على رئيس للجمهورية الى ما بعد اجتماع أنابوليس. لماذا? من الصعب العثور على سبب وجيه. فالبعض يراهن على (الامتحان المتبادل) بين أميركا وسوريا، سواء انتهى الى تسهيل التوافق على رئيس أو الى جعله أصعب.
والبعض الآخر يتطلع الى انتهاء فترة التهدئة التي فرضها الاهتمام العربي والدولي باجتماع أنابوليس، لكي يذهب في خياراته الى الحد الأقصى. والكل يدرك أن ربط الموضوع الرئاسي بالاجتماع هو أسوأ خيار لبناني. فلولا ضعف اللبنانيين وانقسامهم، وإن كان بينهم مَن يتصور أنه يملك فائضاً من القوة، لما أصبح انتخاب رئيس للوطن الصغير لعبة في أيدي القوى الخارجية. ولو كانت المصلحة الوطنية تتقدم على المصالح المحلية الضيقة والمصالح الخارجية الواسعة، لما تكرس دور (الساحة) على أرض لبنان، وصارت أبسط أمورنا معلقة بالصراعات الإقليمية والدولية ومتوقفة على تسوية العلاقات بين عدد كبير من الدول.
وإذا كان الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد يصف مشاركة العرب بأنها دليل على (نقص في الذكاء السياسي) وكانت وجهة النظر العربية معاكسة له، فإن ما يصعب الجدل حوله هو نقص الارادة السياسية والوطنية لدى معظم الطبقة السياسية في لبنان.
وما نعانيه، فوق ذلك، هو مضاعفات مزيج من الدهاء الايراني والتشاطر العربي والخبث الدولي. ألم نصل بأقدامنا، وعيوننا مفتوحة، الى الفراغ الرئاسي وسط أكبر مواكبة عربية وإقليمية ودولية? ألم يكن الإجماع المعلن في الخطاب السياسي على التوافق هو الطريق الى توجيه أكبر ضربة للتوافق?
