التحدث إلى فتيات في عمر المراهقة عن أمور كالمواطنة والوطنية، وآليات التعاطي مع متغيرات العصر والواقع، ليس بالحديث السهل، وإقناع هؤلاء الفتيات بالإنصات إليك والتجاوب معك ليس سهلاً كذلك.
خاصة هؤلاء الفتيات اللواتي اعتدن على الانزواء في عوالمهن الخاصة، وممارسة الحياة وفق رؤاهن واجتهاداتهن واحتياجاتهن، وجيل كليات التقنية نموذج جيد لهذا النوع من الفتيات، مع ذلك فإن الحديث والنقاش والجدال معهن أمر في غاية الأهمية والضرورة كما لمست بنفسي.
لقد أعددت ما يشبه المحاضرة لطالبات كليات التقنية العليا بناء على دعوة الأخوات المشرفات على شؤون الطالبات في إطار الاستعداد للاحتفال بالعيد الوطني لدولة الإمارات، وقد جعلت موضوع المحاضرة حول «قيم المواطنة في عالم متغير» وعليه فقد أعددت نفسي لمواجهة عدد بسيط من البنات والحديث إليهن على طريقة إعطاء درس في فصل مدرسي لكنني فوجئت بأعداد الطالبات، فكانت مفاجأة سعيدة على أية حال.
من المهم جداً إيجاد وسيلة بسيطة جداً ومؤثرة للتخاطب والحوار مع هذه الفئة العمرية، فلا يكفي أن يكون موضوع الحديث هاماً وخطيراً لكي يعطوك اهتمامهم، أو يشاركوك اهتمامك وحماستك، علينا ان لا ننسى طبيعة هذا العمر، وخصائص شخصية الشباب صغار السن.
خاصة وأننا نشعر بتقصير تجاه هؤلاء الشباب فيما يتعلق بجهود التواصل معهم وتفعيل الحوار وتشجيعهم لإبداء الرأي في شؤون مجتمعهم وحياتهم ومحيطهم العام، ومن هنا فإن علينا ان نتوقع ردة فعلهم السلبية تجاه ما نطرحه عليهم للمرة الأولى.
ان لدينا تصوراً فيه شيء كثير من السلبية عن هؤلاء الشباب يدور حول سلبيتهم، ولا مبالاتهم وسطحيتهم، والكثير من السلوكيات السلبية عندهم، لكنني حقيقة وخلال ساعتين من النقاش لمست شيئا مختلفا.
لقد تحدثوا عن رؤاهم حول العمل ومعوقات الحصول على وظيفة في بلدهم، وتحدثوا عن الغلاء وإبداء الرأي وتحدثوا عن عدم وجود مرجعيات تحمي حق إبداء الرأي، تحدثوا عن حقوقهم وحريتهم في اختيار الوظيفة، أو الزواج أو إكمال التعليم العالي كخيارات مستقبلية وبانفتاح، تحدثوا عن كيفية اكتساب المهارات، عن الوطنية والاعتزاز بالإمارات وتحدثوا كما استمعوا.
والمؤكد الذي لمسته أنهم كانوا بحاجة لأن يعرفوا أكثر ويسمعوا أكثر، ويقولوا ما لديهم بتوسع أكثر، ما يعني ان هذا الجيل متعطش للحوار بشكل كبير، وبحاجة للإلمام بأبجديات هذا الحوار كدرس أولي من دروس الحياة الجامعية والعملية، وهذا ما يتوجب على مؤسساتنا التعليمية أن تعمل على غرسه وتنميته لدى أبنائنا وبناتنا في المدارس والجامعات.
مرة أخرى، لدى أجيالنا الصغيرة من شباب الجامعات والكليات اهتمامات وهموم وحديث طويل ومسترسل حول مرئياتهم عن الحياة والوطن، وعلينا ان نستمع إليهم باهتمام، لنوفر لهم حقهم المشروع في الحديث الحر، ولنوفر للوطن أجيالاً تعي تماما ما تريد وما تسعى إليه، وما يحيط بها من متغيرات هم أول من سيعانيها ومن سيتضرر بها ومن سيواجه أسئلتها الكبرى.
