اعتدنا كشعوب عربية على خطابات تقليدية تلقيها قيادات تجتهد وتبالغ أحيانا في اختيار كلماتها التي مهما عظمت تبقى رهينة ساعتها في التأثير على المتلقي الذي يجد نفسه أمام خطاب رسمي يفتقد إلى روح صاحبه.

لكن المسألة لا تخلو من خطابات يبقى صداها في القلوب قبل الآذان، وتحتبس الصورة فلا تبارح الأنظار لأنها ببساطة شديدة خرجت من القلب بلا تصنع ولا تكلف يفقدها هوية وروح من يلقيها. مناسبة حديثنا هذا الكلمة التي ألقاها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في ختام حملة دبي العطاء التي كان قد أعلن عنها في شهر رمضان الماضي.

ان الكلمة التي ارتجلها سموه حملت رسائل عديدة من أب وأخ وصديق وقائد، عودنا على ثقافة الاختلاف حتى في العطاء.

عندما تقدم سموه شعبه معلنا حملة دبي العطاء، طلب منهم دعم الشعوب في التعليم، وكانت مفاجأته عندما تبرع بما يعادل مجموع التبرعات التي تم جمعها من مختلف الفعاليات المجتمعية والاقتصادية، الأمر الذي يدل على أن هناك قيادات لا تكتفي بطلب الاقتداء بها من شعوبها، بل إنها تفاجئهم عندما تقتدي هي بهم.

صراع الأجيال قضية تؤرق الجميع لاسيما في الوقت الراهن عندما اتسعت الفجوة بين الجيل القديم والحديث، والجيل الحالي من أبنائنا وبناتنا مازالوا بحاجة للشكر، للثناء، لأن يتعلموا ويتربوا على مكارم الأخلاق، ومازالوا بحاجة لمن يربت على أكتافهم ويجعلهم على رأس الأولويات حتى وان كان ذلك في كلمة يلقيها صانع قرار.

عندما سمع بعض الأطفال كلمة سموه وهو يتقدم لآلاف طلاب المدارس الذين تبرعوا لحملة دبي العطاء بالشكر، صرخوا بتلقائية طفولية «عفوا محمد بن راشد». تسألهم: وهل الشكر كان لكم؟ يجيبون بثقة قائلين: بصماتنا تشهد على ذلك.

ما الذي تتوقعه من أبناء يسمعون كلمات الشكر الأولى وهي توجه إليهم قبل أصحاب الملايين والمليارات الذين ساهموا في هذه الحملة، ألا نتوقع أن يكون ذلك حافزا لهم لأن يقدموا كل ما يستحقون الشكر عليه على منصة شبيهة كتلك المنصة التي وقف عليها سموه؟ إنها رسالة ثانية قرأناها بين السطور.

حديث سموه عندما امتدح الشاب الذي تبرع بمبلغ ادخره لزواجه، وعن آخر قدمت له بلاده كل الدعم لكنه تقاعس في هذه الحملة، ذكرنا بغزوة تبوك، المعركة الحاسمة بين المسلمين والروم. إذ غاب بعض المسلمين عن المشاركة فيها لأعذار مقبولة، في حين تخلف ثلاثة منهم لأسباب دنيوية شغلتهم عن الجهاد.

وعندما سأل الرسول صلى الله عليه وسلم الثلاثة عن أسباب عدم مشاركتهم صدقوه القول فأمر صلى الله عليه وسلم أن لا يُكلم هؤلاء الثلاثة، وجرت ضدهم مقاطعة شديدة، وتغير لهم الناس، حتى تنكرت لهم الأرض، وضاقت عليهم بما رحبت.

في حين طلب التماس العذر لمن قدموا أعذارا مقبولة فقال: «إن بالمدينة رجالاً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم العذر». فعل الرسول ذلك كله ليعلم المسلمين تحمل المسؤولية وعدم التقاعس فيها.

سمو الشيخ محمد بن راشد عندما امتدح الشاب وتحدث عن تقاعس التاجر أراد تثمين ادوار من قاموا بدورهم ومن تقاعسوا عنه لكي لا يجعل الناس في كفة واحدة لأنه في النهاية يخاطب من يثق بأنهم يضعون لكلماته اعتبارا ليس لأنه قائد فحسب، بل لأنه أب وأخ وصديق يتعلم منه الناس ويتعلم منهم.

«دبي العطاء عززت مفاهيم جميلة من لحظة الإعلان عنها حتى لحظة اختتامها، وصورت مشاهد لا يمكن أن تنسى، ويكفي أن نتذكر الحديث القائل: «إن الأعمال تتباهى فتقول الصدقة: أنا أفضلكم». نسأل الله أن تكون هذه التبرعات في ميزان حسنات كل من ساهم فيها، وان تحقق مآربها.

maysaghadeer@yahoo.com