يثبت دائما أنه حينما يغيب الانشغال بالعام ننشغل بالخاص، وحينما يغيب الكلي ننشغل بالجزئي، وحينما يغيب الجماعي ننشغل بالفردي، وحينما تغيب الأصول ننشغل بالفروع، وحينما تغيب المبادئ الكبرى ننشغل بالمصالح الصغرى.
وفي حين أن الانشغال بالهم العام هو الذي يحقق المصالح الخاصة، والانشغال بمعالجة الكليات يحقق سلامة الجزئيات، والانشغال بحل مشاكل الجماعة يحل تلقائيا مشاكل الأفراد والانشغال بتثبيت الأصول يحقق بالتبعية صحة الفروع، والانشغال بالمبادئ يحقق المصالح.. يستغرقنا العكس بسبب غياب الوعي والانتماء العام!
فمثلا حينما يغيب الانتماء الديني العام تصحو مذاهبنا الدينية الفرعية، وبغياب الدين تعلو أيديولوجياتنا، وحين تغيب الأيديولوجيا تنمو قومياتنا، وحين يغيب الانتماء القومي ننتمي لأوطاننا، وحين يغيب الوطني ننتمي لقبائلنا، وبدون القبلي ننتمي لمناطقنا، وبغياب المناطقي، ننتمي لعائلاتنا وبغياب العائلي ننتمي لذواتنا الفردية وهي أضعف درجات الانتماء.
ورغم رياح العولمة والكلام عن أن العالم أصبح قرية عالمية واحدة، بما يعني عدم الاعتداد بالهوية الدينية أو القومية أو حتى السيادة الوطنية، وهذا يخالف الواقع، لأنه مازالت هناك ثوابت وهناك متغيرات وهناك أصول وهناك فروع، فالأديان والقوميات والأوطان تبقى من الأصول الثابتة في ثقافة كل شعب، بينما الأيديولوجيات والسياسات فهي من الفروع المتغيرة بتغير ظروف نشأتها المكانية أو الزمانية أو البشرية.
فالدين ليس قومية بل عقيدة تجمع كل القوميات، والقومية ليست أيديولوجية بل رباط ثقافي تجمع كل الأيديولوجيات، والوطن ليس عقيدة واحدة ولا قومية واحدة تجمع كل الأديان وكل القوميات وكل الأيديولوجيات تحت مظلة القانون العادل الذي يمنح حق المواطنة للجميع ويساوي في الحقوق والواجبات الوطنية بين الجميع ودون تمييز سواء في الماضي أو في الحاضر، في عصر القوميات أو الأيدلوجيات أو ما يسمى بالعولمة.
وفي حين يزعم البعض أن القومية مفهوم مضى لأنه ينتمي إلى زمن قديم، وانتهى دورها في زمن العولمة، أعيد القول أن القومية مفهوم حديث وليس قديماً وهو أصل ثابت في شخصية الشعوب، لكن العولمة كعملية تنميط تعسفي للمجتمعات ترى في القومية مانعا لنفاذها في تحقيق هيمنة قوانين وثقافات الشمال على الجنوب والغرب على الشرق، بينما الواقع الصحيح هو العالمية وليس العولمة.
من هنا كان مثيرا للاهتمام ما أكده المفكر والسياسي الفلسطيني الدكتور عزمي بشارة في محاضرته بالجامعة الأميركية بالقاهرة الأسبوع الماضي بحضور من مجموعة الفكر العربي بالجامعة حول القومية العربية باعتبارها رباطا ثقافيا لا عنصريا يجمع شعوب العالم العربي من الخليج إلى المحيط من كل الأديان وبكل الأوطان الـ 22، في رده على الدعوة العنصرية الصهيونية الموجهة للعرب بالاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية.
وكان واضحا حين قال إن الدين ليس قومية وأن القومية ليست دينا أو أيديولوجية، وأن تحويل الدين إلى قومية في دولة من الدول هو عمل عنصري تمييزي يخالف طبيعة الدولة المدنية التي ينادي بها الغرب وتبشر بها ثقافة العولمة، ويناقض مبادئ الديمقراطية والعدالة والمساواة.
فيما يصمت عن إسرائيل التي تطلب الاعتراف بكونها دولة دينية يهودية، مؤكدا أنه كعربي مسيحي يرى أن الحضارة الإسلامية التي هي جوهر ومظلة القومية العربية تعترف وتساوي في الحقوق والواجبات الوطنية بين المسلم والمسيحي واليهودي، بينما «الدولة اليهودية» باعتبارها قومية دينية هي دولة عنصرية غير مدنية ولا ديمقراطية حين لا تعترف بالإسلام أو المسيحية، ولا بالعرب أو غيرهم من سكان فلسطين التاريخية كمواطنين متساوين مع اليهود في «دولة إسرائيل».
ليبقى السؤال هل «دولة إسرائيل اليهودية» بهذا هي واحة الديمقراطية في الشرق العربي الإسلامي كما تزعمون ؟
وهل هذه هي الديمقراطية والمدنية وحقوق الإنسان يا دعاة هذه الشعارات، فإما أن تكون هذه شعارات فارغة أو تكون مبادئ ذات الوجهين بل الوجوه المتعددة لحساب إسرائيل والغرب وعلى حساب العرب والمسلمين؟